Yahoo!

الشريعةُ الإسلاميّةُ مصدرًا (2): شبهاتٌ وردودٌ…

مارس 16th, 2012 كتبها د. رياض الجوّادي نشر في , فكر

 

الشريعةُ الإسلاميّةُ مصدرًا (2): شبهاتٌ وردودٌ

 

    في ظلّ المؤشّرات السّابقة على فعالية التشريع الإسلامي وحيويته، وفي ظلّ الشهادات والقرارات التي اتَّخذتها مؤسَّسات قانونية وبحثية دوليّةٌ محايِدةٌ[1]:

- تنادي باعتبار الشريعة الإسلامية مصدرا من مصادر التشريع العام.
- وتعترف أنها حيّة قابلة للتطوّر.
- وتُسلِّمُ بأنها شرع قائم بذاته ليس مأخوذا من غيره.
- وتدعو إلى أن تُبنى الدّراسات المقارنة لهذا التشريع والتشجيع عليها نظرا لما في التشريع الإسلامي من مرونة وما له من شأن هام.
- وتُقرُّ بأنّ مبادئَ الفقه الإسلامي لها قيمةٌ حقوقية تشريعية لا يُمارى عليها.
- وتعتبر أنّ اختلافَ المذاهب الفقهية في هذه المجموعة الحقوقية العظمى ينطوي على ثروة من المفاهيم والمعلومات ومن الأصول الحقوقية، هي مناط الإعجاب. وبها يستطيع الفقه الإسلامي أن يستجيب لجميع مطالب الحياة الحديثة والتوفيق بين حاجاتها.
في ظلّ كلّ هذه المعطيات الموضوعيّة المحايِدة…
وفي ظلّ الجدارة التي أثبتها التشريع الإسلاميُّ في الواقع الحديث في مسائل كثيرةٍ أهمّها:  نظامه الماليُّ وما أظهرته الدراسات والوقائع من قدرته على التماسك وسط هذا التأزّم الاقتصاديّ الدولي… ونظامهُ الأخلاقيُّ الذي يقف حِصْنا أمام كثير من أنواع الأدواء والانحرافات التي تتهدّد مجتمعاتنا البشرية في هذه المرحلة الحساسة من تاريخها…
وفي ظلّ ما يعرفه المتخصِّصون من الأصالةِ والثّراءِ في هذا الصّرح التشريعي، والخزّان المفاهيمي والاصطلاحي الثرّ.
وبناءً على ما يتوفّر في بلدنا من مؤسّسات تشريعية ودستوريّة ضامنة لمدنيّة الدولة…
نرى أنّ الوقت قد حان لشيْءٍ من إعادة الاعتبار لهذا التشريع الإسلاميّ الذي افتكّ الإعجاب والانبهار من شخصيات كثيرة مثل "روسو" و"نيتشه" و"جوته" و"شاخت" و"لوبون" و"وات" وغيرهم مِـمّن لا يحصيهم عددٌ، ولكنّه لم يجد من أهله بعد الاستقلال إلا التعتيم والتّهميش.
كما أنّه قد حان الوقتُ لشيء من المصالحة مع الذات، والبحث عن جذور عميقة للحداثة تنطلق من داخل الثقافة الوطنية، وتنفتح على الآخر في توازُن مستمَدّ من الغنى الحضاريّ الذي أهَلْنا عليه ترابَ النسيان شَكًّا في مقوّماتنا الحضارية التي أَبَت إلا أن تُظهر جهلَنا بأنفسنا وسط هذا المحيط الهائل من الاهتمام بحضارتنا وبقيمنا.
وعليه، فإنّنا ندعو إلى اعتبار الشريعةِ الإسلاميَّةِ مصدرًا من مصادر القوانين في دُستورنا الجديد، بما يضمن له الأصالةَ والتميُّزَ، ويوفّرَ لمؤسّساتنا التشريعيةِ قاعدةَ بياناتٍ ضخمة من المفاهيم والأطروحات المشبعةِ بروح حقوقيّة قلّ نظيرها في ميراث البشريَّةِ.  
 
ماذا يعني أن تكون الشريعةُ الإسلامية مصْدَرًا من مصادر القانون؟
                إنّ ذلك يعني أن تكون القيمُ الأساسيّة للإسلام ومقاصدُه معتبرةً في القوانين التي يصوغها المشرّع بما يُعطي المجتمعَ الإسلامي خصوصيَّتَه القيميةَ التي تظهر في خياراته القانونية، وعلى رأس هذه المقاصد رعاية دين الإنسان وحياته وعقله وماله وعرضه، وما يستدعيه من ضمان لحقوقه وحرياته، وتوفير الأمن والعدل والكرامة له.
                وهو يعني أن لا تُصادم القوانين الموضوعة ثوابتَ الشريعة المتعارف عليها عند عموم المجتمع كتحريم زواج المثليين وزواج المحارم، وكأحكام الميراث الثَّابتة بطريقة قطعيَّة في نصوص القرآن.
                وهو يعني في الأخير أن تكون الموسوعةُ التشريعية بما تَحتويه من أحكامٍ وضوابطَ وفروق وكلّيات وقواعد ونظريات ومفاهيم على ذمّة المشرّع يصطفي منها ما يراه مناسبًا للواقع ويُقرّه قانونا مُلزما ومرجعا يَحتكم إليه المجتمع في تنظيم حياته ومعاملاته مستعينًا بالخبراء من علماء الشريعة من خلال الإنصات إليهم في جلسات خاصة كالذي يفعله هذه الأيّام مع خبراء القانون والقانون الدستوري والاقتصاد وغيرها، وقد فعلَ ذلك على مدى العقودِ الماضية في أغلب قوانين البلاد دُون الاعتراف لهذا التشريع بالفضل ولا بالتميّز، ودون الاعتراف للأفذاذ الذي صنعوه بالعبقرية التشريعية، وهو ما يدعو إلى التعجّب منهُ كصنيع تعتيمي لا يَـخلو في تقديري حتّى من الجبنِ العلميّ فضلا عن التّزييف والحجب المكشوفة أبعادها لكلّ ذي نظر.
 
تبريراتُ المتخوّفين…        
نسمعُ جميعنا -وباهتمام كبير- كثيرا من التعليلات والتبريرات التي يُقدّمها بعضُ المتخوّفين، منتصرين عدم صلاحية التشريع الإسلامي حتّى لِأَن يكون مصدرا من بين مصادر أخرى للقانون، بل وتَخْويفا من هذا التشريع:
o       حجّتُه تارةً أنّه مُجرّدُ أحكامٍ وتشريعاتٍ مفرّقةٍ وممزّعة…
o       ومرّةً ثانيةً أنّه قديمٌ وقد تجاوزه الزمن…
o       ومرّةً ثالثة أنّه دينيٌّ وهو ما يُنافي مدنيةَ الدّولة…
o       ومرةً رابعةً أنّه متنوّعٌ ومتعدّدٌ…
o       ومرّةً خامسةً أنّه قابلٌ للتّطويع لصاحب السلطان.
                ومع احترامي للقائ

المزيد


حوارٌ في الشّريعة الإسلاميّة…

مارس 9th, 2012 كتبها د. رياض الجوّادي نشر في , فكر

 

حوارٌ في الشّريعة الإسلاميّة 

فكريّات-في الشريعة الإسلاميّة

 

 

     ساقني إلى هذه الحوار سؤالٌ طرحه عليَّ أحدُ الفضلاء وهو يستَكْنِه موقفي من "أصول الفقه" و"الشافعي" و"الاجتهاد" و"القياس"… وقد ساقني بالضَّرورة إلى الحديث عن "الشّريعة الإسلاميّة" مدارِ الحوارِ بين كثيرين في هذه الأيّام، ولذلك فقد خصَصْتُها بكتابٍ سأحاول نشْرَه في أقرب وقت ليكون إسهاما في الحوارات الفكرية المعتمِلة في مجتمعاتنا خلال هذه المرحلة المفصلية من تاريخنا… وعلى ضفاف الحوار، وُلدت هذه الأفكارُ التي أعرضها عليكم حرصًا على أن يكون تصوُّرُنا عن "الشريعة الإسلامية" في مستوى نضج هذه الشريعة وعبقريّتها على حدّ تعبير "روسو":
 
        لا أحد من المسلمين يقول: إنّ اجتهادَه هو حكمُ الله في المسألة يَقينًا. ومن باب أولى إذا كان هذا المسلمُ هو الشّافعيّ القائل: "رأيي صوابٌ يَحتَمل الخطأ، ورأيُ غيري خطأ يَحْتَمل الصّواب".
        وسأدعُ الشّافعيَّ يُجيبكَ بقول واضح صريح في كتابه "الرسالة" (ص479):
        "العلم مِنْ وُجوه: منه إحاطة في الظاهر والباطن، ومنه حقٌّ في الظاهر. فالإحاطة منه ما كان نصَّ حُكمٍ لله أو سنةٍ لرسول الله نقلها العامة عن العامّة. فهذان السبيلان اللذان يُشهد بهما فيما أُحِلَّ أنه حلال، وفيما حُرّم أنه حرام. وهذا الذي لا يسع أحدًا عندنا جهله ولا الشك فيه…"
        فانظر تقسيمَه الحكيمَ للحقّ ظاهرا وباطنا، أي عند المجتهد وعند الله، وهذا النوع من "الحقّ" لا يُمكن أن يكون إلا فيما يَرِدُ في "نص" من الكتاب والسّنّة المتواتِرة.
        ثُمّ يقول مُتحدِّثا عن الاجتهاد والقياس: "وعلمُ اجتهادٍ بقياس، على طلبِ إصابةِ الحقِّ. فذلك حقٌّ في الظاهر عند قَايِسه لا عند العامة من العلماء، ولا يعلَم الغيبَ فيه إلا اللهُ".
        فجعل القياسَ حقًّا ظاهرًا، أي عند القائل به وليس عند عامّة العلماء، ولا يعلمُ أحدٌ إن كان قد أصاب الحقَّ عند الله أم لا.
 
لقد اتّسم التّشريع الإسلاميّ بأقصى ما يُمكن من الرّبّانية والواقعيّة في آنٍ:
- كان مالكٌ يَقُولُ: أكرَه هذا الأمرَ، وهو يُحرِّمه… خوْفًا من أن يَنْسِب إلى الله ما ليس بِحقٍّ…
- والشافعي لا يبتعد عن هذا المنطق، ومَقُولاتُه ومواقفُه التشريعية تدلّ على ذلك، فأّما مقولاته فقد رأينا شيئا منها، وأمّا مواقفه العملية فهي تأكيد لهذا الاختيار:
- فهو الذي خالف شيخَه مالِكًا، ولو كان حكمُ الفقيه هو حكمُ الله جزما، لما أجاز لنفسه مُخالفةَ شيخه.
- وخالفه تلميذُه أحمد، ولو كان يقول بذلك، لكان تلميذُه أحمد أولى النَّاس باتّباعه وقد كان شديدَ الإجلال له. والأكثرُ دلالةً أنَّ أحمدَ لم يقف عند حدّ مخالفةِ شيخه في بعض المسائل، بل أسَّس لنفسه مدرسةً فقهية تَختلف نوعيًّا عن مدرسة الشَّافعي.
- وخالف الشّافعيُّ حتّى نفسه وهو يُغيّر مذهبَه حين انتقل من العراق إلى مصر.
 
        ولتَتَأكَّد بأنّ هذه قناعةُ علماءِ المسلمين جميعِهم إلا في حالاتٍ شاذَّة، فإني أُورد لك قولا لشيخ سعودي معاصر مَحْسوب على السَّلفية، فاسْمَعه يَقول: "في الحديث دليلٌ على أنّ الصواب يكون مع واحد من المجتهدين ولا يكون مع جميعهم، بدليل قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فإنّك لا تَدْري" ، وإذا كان هذا خطاباً للصحابة، وهُم أقرب النّاس إلى العلم والإصابة، لأنّهم يتلّقون عن الرّسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فغيرهم من باب أولى من المجتهدين، فلا يغترّ الإنسان برأيه وباجتهاده، لأنّه يَحتمل أنّه مخطئ وأنّ الصواب مع مخالفه، فلا يغتّر الإنسان باجتهاده أو يتعصّب لرأيه أو يشتدّ عندما يناقَش، هذا لا يَجوز، لأنك مجتهد وهذا مجتهد، والصّواب مُحتمِل أن يكون معك وأن يكون معه، فلا يَجزَع الإنسان من المناقشة ومن المساءلة في المسائل الخلافية، ويقول: هذا اجتهادي وهذا الذي أرى، والإنسان عُرْضة للخطأ، ولا يقول هذا حكم الله في المسألة." (صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان: إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد: 2/300)
        أما القياس، فهو قائم على فكرةٍ أساسيَّة وهي عقلانيّة التّشريع الإسلامي ومنظوميّته، فما كان العقل الإسلامي الذي رُبِّيَ على الحِكْمة أن يَرَى أمرًا قُيّم تقيِيمًا سلبيًّا بسبب ضرره مثلا، ثُمَّ يَعْترضه في الحياة ما هو أشدُّ سوءًا وضَرَرًا منه فيمُرّ عليه مرَّ الكرام، ولا يَحكم عليه بنَفْس الحُكْم السَّلبيِّ الأولِ مُعْتَمِدا ما يُسمّى قياسَ الأَوْلَى مثلا. فالقياس و"الاعتبار" و"الجمع بين الأشباه والنظائر" هو أحدُ أهمِّ مقوِّمات العقلانية الإسلامية (إذا توفّرت شروطُه وقواعدُه حتّى لا يَكون مُجرّدَ انطباع)، بل هو أحدُ أُسُسِ عَمليَّة التعقّل الإنساني عموما. وقد كان القياسُ الآليّةَ الأساسَ للاجتهاد الشّرعي في عهد الشافعي وفي كتابه، ثُمّ سُرعان ما تَجاوزه المشَرِّعون بتوليد آليَّاتٍ جديدةٍ مُتماهِيةٍ مع نظام التشريع الإسلامي مثل "الاستصلاح" و"الاستحسان" وغيرِها، تَنْضافُ إلى القياسِ وتُغْنِيه، وذلك مظهرٌ من مظاهر حيويَّة هذا التشريع الحكيم القائم على الموازنة بين الحكم والحِكمة، وبين المنطِق والمنطوق، وبين المقصد والمآل، وبين الدليل والدلالة، وبين الثابت والمتغير… إلى غير ذلك من الموازنات الحكيمة والعبقرية التي لا يَعيها أغْلبُ المسلمين وهُم يتحدَّثون عن تشريعهم!
 
        وسأتّخذ هذا الطّرحَ مَدْخلا إلى مسألة التشريع الإسلامي عموما، فلا تستغربوا إذا قلتُ: إن الشّافعيّ بتأسيسه لعلم أصول الفقه يُعدّ أحدَ أهمِّ العقليات التشريعية في تاريخ البشرية، ولو كان عند الغربيِّين لنَصَبوا له التَّماثيلَ كما فَعَلوا مع "روسو" أو "مونتيسكيو" وغيرهما، وهو لا يقلّ عبقريةً عنهما بشهادتهما التي سترى طرفًا منها بعد قليل.
        كما أنّ التّشريعَ الإسلاميَّ الذي أُسِّس مع الرّسول مُحمَّد صلى الله عليه وسلم، وشهدَ محطَّاتِ إنضاجٍ كبيرةً مع مالك والشافعي والغزالي والقرافي والشاطبي وغيرهم من أفذاذ الحضارة الإسلامية، أحدُ أهمّ إنجازات الحضارة الإسلاميّة والإنسانية عموما. وحتّى لا يكون كلامي مُلقًى على عواهنه أُورد الشّواهدَ الدَّالَّةَ على ذلك من رُوَّاد الفِكر البَشَرِيّ والمتخصّصين والشَّخصيات الأكادِيمية:
 
الأولى: شهادة هامّة يُدْلي بها المستشرقُ الألماني "جوزيف شاخت" فيقول متحدِّثًا عن الخصوصيَّة المميِّزة للتشريع الإسلامي الملهِم: "كان من بين أهمّ الأمور التي تركها الإسلام للعالَم المتحضِّر، قانونُه الدّينِيّ الذي يُسمَّى "الشريعة". فهو يَختلف بشكل واضح عن جميع الأشكال الأخرى للتّشريع، إنه تشريع فريد من نوعه.
        فالشَّريعةُ الإسلامية هي في الواقع مَجْموعة من الأوامر الإلهية التي تُنَظِّم حياةَ كل مسلم في جميع جوانِبها، وعلى الرَّغم من أن التَّشريع الإسلامي هو تشريعٌ دينِي من حيث جوهرُه، فإنه لا يُعارض العقل بأي شكل من الأشكال." لأنّه مبنيّ على معاييرَ عقليَّةٍ صارمةٍ، ويَهْدف إلى غاياتٍ واضحة، ويعتمد آلياتٍ دقيقةً قابلةً للتّفهّم والتعلّم، ويُؤسِّس في الأخير نِظاما تشريعيًّا متماسكا ومُتّسما بالمعقولية وبالإنسانية، ومُحقِّقا تناغمًا كلّيّا بين سُموّ المرجعيات وواقعيّةِ التَّنفيذ.
       ولا يفوتني الإشارةُ إلى أمرين تعلِيقًا على مقولة "شاخت":
          - أنّ قوله "قانونه الديني" إنّما يقصدُ الدّينيّ في جوهره ومرجعياته كما بيّن بعد ذلك، ولكنّه بعيد كلّ البعد عن التشريع الديني "الكهنوتي" بالمنطق الكنسي، بل هو تشريع "مدنيّ" اجتهاديٌّ يشارك الإنسان في توليده بعقله وآليات تفكيره، وهي سمةٌ يُسلّم بها كثيرٌ من فقهاء العصر أمثال الشيخ مصطفى أحمد الزرقاء وفتحي الدريني وغيرهما. ويُمكن الاطلاع على بعض تفصيل ذلك صُلْبَ الكتاب. 
         

المزيد


قراءةٌ نقديَّةٌ في الأسس المرجعيَّة للحداثة الغربيَّة (1)

مارس 1st, 2012 كتبها د. رياض الجوّادي نشر في , فكر

 

 

سلسلة: في الحداثة الإسلامية…

 
قراءةٌ نقديَّةٌ في الأسس المرجعيَّة للحداثة الغربيَّة (1)
النزعة "الإنسانويّة"… أو الدّين الذي يُوثِّــن الإنسانَ…
 
المميزات النّوعيّة للحداثة الغربيّة:
-       الإنسانُ الفرد هو القيمة العليا في الوجود…
-       الإنسان هو معيارُ كلّ شيء…
-       التّمرّد والنقض والهدم هو المنهج الأمثل للتعامل مع القديم…
-       الفحش خيار إستراتيجي واع…
-       الإعلان عن موت الإله…
 
        إنّ "تأليه" الإنسان أحدُ أهمّ الأسس البنيوية للحداثة الغربيّة. والغريب أنّ هذا المفهومَ ذاتَه كان المدخلَ إلى "تشيئة" الإنسان و"إعلان موته"، مفارقة غريبةٌ لا يُدركُ كُنْهَها إلا من عاشَر ذلك الاضطراب الذي يعيشه العقل الغربيّ منذ قرنين من الزمن تقريبا، اضطراب ينبغي أن لا يُنسينا ما تَميّز به هذا العقل من حيويّة خلال هذه الحقبة المنصرمة، ولكنّه يَشِي في نفس الوقت بنوع من التّيه وفقدانِ المعنى لا يُنكره كثيرٌ من أعلام هذا الفكر وأكابرُ المنظّرين له:
        - عبّر عنه "مارت هيدجر" في بعض العبارات التي كان يُردّدها خلال دروسه ومحاضراته الأولى في الجامعة، والتي يُمكن أن تكون بمثابة ذلك الخيط الرفيع الذي قد يهدينا إلى منبع الإيحاءات الأولى لما سيرتسم عنده كنزعة تشاؤمية وعدمية، ومن هذه العبارات قوله: "لقد نسي العالم الحديث اللحظات الأخيرة من الحياة البشرية… تلك الحياة التي تعتبر متجاوَزة، منذ البداية وإلى الأبد، من طرف الموت."[1]
        وعبّر عنه في سياق آخر وهو يعلن أنه لم تبق هناك من مهمّةٍ ملقاةٍ على عاتق الفلسفة سوى "أن تقذف بالإنسان أمام مصيره القاسي… وتُرغمَه على التخلِّي عن عادة الحرص على ألا يهتم في عمل الفكر إلا بما يعود عليه بفوائد عمليّة"[2]
        وفي آخر حوار أُجري معه قبل وفاته، كان "هيدجر" يُردّد أنّ كلّ ما لدى الإنسان من اهتمامات وانشغالات وطموحات لا يُمكن أن تُغيّر شيئا في الوضعيّة الحاليّة للبشر وللعالم، "ووحده مجيء إله قادر على خلاصنا"[3]، وحتّى هذا الإله "الأمل" يظلّ مجهولا، ويختلف عن كلّ ما اتَّخذته البشرية حتّى الآن من آلهة.[4]
        - وعبّر عنه "ليفي ستروس" وهو يقول: "لقد بدأ العالم قبل الإنسان، وسوف ينتهي بدونه. وهذه المؤسسات والأعراف التي أمضيتُ حياتي في إحصائها ومحاولة فهمها، ليست إلا نوعا من الازدهار العابر"[5].
        بمثل هذه الكلمات، كان ليفي ستروس يعبّر عن اقتناعه بأنّ الثقافة كتنظيم للحياة البشرية تحمل في نهاية الأمر عوامل هدم وتدمير، وأنّ الحلول التي يقترحها التقدّم العلمي لمشاكل البشر ليست مُثلى ولا مرضية، وأنّ البشرية مشرفة بالتأكيد على هاوية الفناء الوشيك.[6]
        قد تكون هذه النّزعةُ "الإنسانوية" المتطرّفة احتجاجا حادًّا على الاضطهاد الذي عاشه الإنسان في علاقته بالكنيسة على مدى قرون، أو هي بِمعنى آخر محاولةٌ لإعادة الاعتبار للإنسان تجاوزت كلَّ حدّ ووقعت في التّطرّف المضادّ، وقد زادتها الاكتشافات العلمية الجديدة حِدّةً، وأرهقتها غُرُورًا، حيث انتفخت "أنا" الإنسان وتجاوزت كلَّ حدّ، وأصبحنا نسمعُ بوضوح حديثًا عن الدّيانة الإنسانية حيث يكون الإنسان الكائن الأعظمَ والإلهَ على حدّ تعبير "أوغست كونت" في القرن 19، وحيث يُقال للإنسان: "افعل ما تشاء" مادام هو المعيار الوحيد، وهو مقياس كلّ شيء.
        لقد كان الكهنوت في الدّيانات السابقة يسحق الإنسان ويُلغي عقلَه وإرادته. فجاءَ الإسلامُ ليرفعَ هذا الظّلم الدّيني عن الإنسان، ويُعيد إليه الاعتبارَ في توازنٍ:
-       عبّر عن ذلك ربعيّ بن عامر وهو يقول: "الله ابتعثنا لنُخرج من شاء من جَوْر الأديان إلى عدل الإسلام"
-       وأسّس له قوله تعالى: "وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ" (الرحمن: 7 - 9).
 
 
        غيرَ أنّ الحضارةَ الغربيّة -ولأنها رزحت طويلا تحت جوْر الكنيسة-لم تقدر على تحقيق التوازن، وأسّست لفكر إنسانوي لا ينسف الكهنوتَ باسم الله فقط، بل يُلغي الله مرّةً واحدةً، ويقيم نفسَه مقامَه، وأَغْرقَت في المادّية، وأسّست لديانةٍ جديدة هي ديانة الإنسانية، وليس لها من إله سوى الكائن الأعظم وهو الإنسان… وبذلك تَمُرّ الحضارة الغربيّة من اضطهاد الإنسان باسم الإله، إلى إلغاء الإله باسم تحرير الإنسان… فيكون الـمُفتَرَى عليه في الحالين هو الله، ويكون الخاسرُ في الحاليْن هو الإنسان…
 
ما حقيقة الفكر الإنسانويّ؟
        يَقول "شيلر" (1903): "إنّ هذا المذهب الفكري هو التعبير الحديث عن مقولة براتاغورس القديمة في أنّ الإنسان مقياس كلّ شيء"[7].
        أمّا "هيدجر" فيعرّفه في نصّ له يرجع إلى سنة 1938 فيقول: "… ذلك التأويل الفلسفيّ للإنسان، الذي يفسّر ويقيّم كلّيّة الموجود انطلاقا من الإنسان، وفي اتّجاه الإنسان"[8]. وفي نصّ آخر كُتب سنة 1940 يعرّف النّزعة الإنسانية بأنّها تلك الفلسفة التي تضع الإنسانَ في مركز الكون عن قصد ووعي، وتعتقد، من خلال تأويلات ميتافيزيقية معينة للوجود، في إمكانية تحرير قدراته وتأمين حياته والاطمئنان إلى مصيره وتطوير وتنمية طاقاته الإبداعية… ففي النزعة الإنسانية، يتمّ دائما الدوران في فلك الإنسان"[9]
        إنّ المذهب الإنسانويّ يرى أنّ على الإنسان الفرد أن يضع معاييره الخاصّة للخطأ والصّواب، والخير والشرّ، والجمال والقبح. والإنسان بعد ذلك هو سيّد نفسه وسيّد مصيره، وهو سيّد الطّبيعة، ولا مكان لأي سيّد آخر في هذا الكون سوى الإنسان. إنّ الإنسانويّة باختصار هي تأليه الإنسان.
        فهو بهذا المعنى دعوة لتحرير الإنسان من كلّ سلطة خارج حدود الإنسان ذاته: تحريره من فكرة الإله، وتحريره من الكنيسة، وتحريره من سلطة العادات.
        كثيرا ما يُعيد التّاريخ نفسه، وغالبا ما يقوم الإنسان بإعادة إنتاج مقولات قديمة في صيغ جديدة، ولقد تحدّث سقراط وأفلاطون بما فيه الكفاية عن مقولة براتاغورس "الإنسان مقياس كلّ شيء"، مؤكّدين على أنها لا تؤدّي إلا إلى نتيجة واحدة: هي ضياع كلّ مقياس. وقد تولّى أفلاطون نقد هذه المقولات السفسطائية في كثير من أعماله مثل محاورة ثياتيتوس.
        وعليّ أن أكون دقيقا حتّى لا أظلم السفسطائيّ القديم وأنا أشبهه بالسفسطائيين الجدد، فرغم وجه الشبه بين الطرفين في كثير من مستويات المقالة، فقد كان السفسطائي اليونانيُّ أكثر اعتدالا وتواضعا من السفسطائيين الجدد، حيث جعل براتاغورس اليونانيّ فاصِلاً ما بين عالم الإنسان وعالم الآلهة باعتبار أنّ عالم الآلهة هو ذلك العالم الذي لا يستطيع براتاغورس اليوناني إدراكه فقرّر تنحيته جانبا، أمّا براتاغورس الحديث، فهو لا يقبل بأقلّ من تنصيب نفسه إلها ومبدأ أوّل مُطلقا.
        قامت "الإنسانوية" إذن على الاعتقاد بأنّ "الإنسان هو معيار كلّ شيء، وأنّ كلّ امرئ مقياس نفسه." وفي البدء تبنّاها رجال كانت الفردية شعارهم، وقد "كان هؤلاء الرّجال فرديين يقابلون التابعين الجبناء الذين ينتمون إلى رهبان العصور الوسطى." [10] 
        وليس من قبيل المبالغة القول بأن الفكرة الإنسانوية هي الفكرة الأساسية والمحورية لكلّ ما يُسمّى بالعصر الحديث والذي يؤرّخ له عادة بدءا من عام 1500 وحتّى يومنا هذا، لأنّها حملت في أثنائها وفي حالةٍ من الكمون كلّ أفكار الثقافة الغربية الحديثة التي نَمت وتطوَّرت على مدى القرون التالية.[11]
        وهي تعمل على إحداث تغيير جذْري في الوعي البشري، من التمركز حول الله إلى التمركز حول الإنسان[12]، وقد مثّل هذا التيّار أمثال "بيكودي لاميراندولا"[13] و"أراسموس"[14] و"لورانزوفاللا"[15].
        إنّ الإنسانوي يُثبت شيئا واحدا وأساسا لكلّ ما يُمكن أن يعترف به ويقبله وهو الإنسان الفرد. ولو حاولنا أن نختصر الإنسانوية في كلمة واحدة لكانت "الفردية". "لقد بدأت الفردية تظهر أولا كمبدأ أخلاقي، ثمّ أصبحت مبدأ اجتماعيا، وصارت في المحصّلة مبدأ وجوديّا (أنطولوجيا) يرى في الفرد صورة الواقع الأكثر جوهرية وقيمةً عليا في الوجود، أي أنها ترفض وجود أي مستوى أعلى من مستوى الوجود الفردي.
 
الإنسانويّة تأليه للإنسان؟
        لا نُورد مفهوم التأليه في صيغته المجازية كأداة من أدوات التّحليل، بل نُورِده في معناه الصّريح والمباشر بكلّ ما يتضمنه المفهوم من الدّلالات والمكوّنات. فالإنسانوية بهذا المعنى الذي مرّ معنا آنفا هي تأليه للإنسان ونفي لله، وليس في هذا الحكم أيُّ تَجَنٍّ أو مبالغة، فهاهي نصوصهم الصّريحة تنطق بذلك دون الحاجة إلى أيّ تأويل أو أيّ اختلاق للدّلالات الإضافيّة التي تُستجلب من بعيد:
-       فهذا "رابليه" أحد أبرز رموز الأدب في عصر النهضة يُؤَسِّس ديرَه الخاصَّ ليكون ديرا علمانيا حقًّا يقبل الرِّجال والنساء على حدّ السواء، وقد نقش على مدخل ديره: "افعل ما تشاء".[16] وبذلك يكون رابليه قد قدّم نَموذجا لما يعنيه الإنسانويّ بالتّحرّر، هذه الفكرة التي تطوّرت بعد ذلك وكوّنت مضمون الفكرة الليبرالية في صورتها الأكثر توحّشا وانفلاتا من قيود القيم…
-       وهذا الفرنسيّ "أوغست كونت" مؤسس الفلسفة الوضعية وعلم الاجتماع الحديث يتقدّم في القرن 19 بنظرية مفادها أنّ البشرية في المرحلة الحديثة بحاجة إلى ديانة جديدة هي ديانة الإنسانية. وقد قام بوضع أسس هذه الدّيانة بنفسه[17]:
o     فالإله في هذه الدّيانة هو الكائن الأعظم (الإنسان)، وهو عبارة عن كائن حيّ في حالة نموّ مستمرّ يمثّل الإنسانية الماضية والحاضرة والمستقبلة.
o     ولهذه الديانة عقائدها، كما أنّ لها عباداتها وصلواتها.
o     ولها معبدها الخاص وحبرها الأعظم الذي يُمثل بابا الإنسانية.
o     ولها أعيادها الخاصة المرتبطة بأسماء من أسهم في تقدّم الإنسانيّة. وهو لذلك يضع تقويما جديدا لتنظيم أعياد الدّيانة الإنسانيّة واحتفالاتها وطقوسها العباديّة.
o     ولها منطقها في الثواب والعقاب بعد الموت، ذلك أنّ الأخيار من بني الإنسان سوف يُكرمون بعد موتهم بدفن رفاتهم في الغابة المقدسة المحيطة بالمعبد، أمّا إذا كانوا من الأشرار، فسوف يبقى رُفاتهم في مقبرة البلدية، أو يُدفنوا مع المرذولين.
-       وهذا الفيلسوف الألماني المادي "فيورباخ" -على إثر نشره آراءه الإلحاديّة المعادية للدّيانة الإلهية- يدعو إلى إنشاء ديانة إنسانيّة جديدة هي دين المحبّة.
-       وقد كان "روبسبير" قد سبق كلّ هؤلاء وتقدّم إلى البرلمان الفرنسي بمشروع لتأسيس دين الإنسان.
-       كما أنّ الماركسية قامت على أساس فكرة "الديانة الإنسانية" دون عنوان صريح، فقد كان ماركس يرى أنّ الإلحاد الذي يكتفي بنفي وجود الله لا يعدو أن يكون مرحلة متجاوَزة، فالمطلوب من الآن فصاعدا بناء ملكوت الإنسان، وقد جاءت الماركسية بوصفها إيديولوجية شمولية نمطا لهذا الملكوت الإنساني بعد أن تمّ نفي وجود الله.[18]
 
ما مبرّرات ظهور التيّار الإنسانويّ؟
        كان هذا الفكر الإنسانوي بِمثابة الفكر الانقلابي الثوري على الفكر المسيحي الموروث من القرون الوسطى، ولم يكن يَحمل في بدايته مبادئَ جديدةً واضحة المعالم بقدر وضوح وجلاء نزوعه الأساسي إلى تهديم القديم وتقويض أسسه.
        يَدعو الإنسانويُّون إلى نبذ العصور الوسطى وتجاوزها على المستويات كلّها، ويقوم العصر الحديث في التصور الغربي نتيجة لهذا النفي والتجاوز، ذلك لأن الانطباع السائد عن القرون الوسطى في أوروبا أنها قرونٌ مظلمة يسودها الجهل والتخلف الكامل إلى الحدّ الذي دعا الفيلسوف الألماني نيتشه إلى اعتبار المسيحية شيئا زائدا ودخيلا على التاريخ الأوروبي لم يقُد إلا إلى نتيجة واحدة هي قتل الروح الأرستقراطية الحقّة[19].
        غير أنّ الحريّ بالاهتمام أن نيتشه وهو يدعو إلى مراجعة علاقة أوروبا بالمسيحية لم يفُته أن ينوّه في المقابل بالتجربة الإسلامية لما تتضمّنه من مميزات تُعيد الاعتبار للإنسان ولفاعليته في الحياة فيقول: "تلك الحضارة المورسكية البارعة بإسبانيا، المتّسمة بروح شديدة القرب منا، والمتحدّثة بمعانينا وبأذواقنا أكثر حتّى من روما واليونان، تلك الحضارة التي دِيست بالأرجل، لا لشيء إلا لأنّها وليدة حسّ أرستقراطي… حسّ رجوليّ وشجاع، لأنّها قالت نعم للحياة، فضلا عمّا بها من رهافة حسّ أضفتها عليها الحياة المورسكية… لقد حاربها الصلييون وقد كان الأولى بهم أن يسجدوا لها في التّراب، تلك الحضارة التي لو قُورنت بقرننا السادس عشر، لَبَدَا هذا الأخير أمامها فقيرا ومتخلّفا…"[20]
ومثل هذا الموقف لم يكن شاذّا في تاريخ الفكر الأوروبي الحديث:
-       فهذا "ريتشارد سوذرن" يُجمل مواطن تميّز الفكر الإسلامي في كتابه "صورة الإسلام في أوروبا في القرون الوسطى"، ويعرضها كفروق هيكلية بين التجربتين الحضاريتين المسيحية والإسلامية فيقول: "لقد كانت مُثُل أوروبا الوسيطة بشكل أساسي هي الرهبنة والكهانة والهرمية الاجتماعية… بينما عرف الإسلامُ الوسيطُ المزدهر فئاتٍ بشريّةً مدينية متحرّرة، مقبلة على العمل والحياة، ومستندة إلى سواسية مبدئيّة اجتماعيا، تستمتع بالنقاش والجدل في المسائل كلّها، دونما كُهّان أو أدْيرة في البنية الأساسيّة للاجتماع."
-       وهذا "جوستاف لوبون" يقول: "كلما تعمّقنا في دراسة هذه الحضارة (العربية الإسلامية)، فإنّ الحقائق الجديدة تتبدّى لنا في كلّ مرّة، وإذا بالآفاق تتّسع أمامنا: سندرك سريعا أن القرون الوسطى لم تعرف العصورَ الكلاسيكية القديمةَ إلاّ من حلال العرب. وأنّه لمدة خمس مائة سنة، لم تعش جامعات الغرب إلا من كتبهم. وأنّه على المستويات الثلاثة: المادية والفكرية والأخلاقية، فإنهم همُ الذين أدخلوا أوروبا زمنَ الحضارة. وإذا درسنا أعمالَهم العلميةَ واكتشافاتِهم، فإنّنا نُدرك أنّ أيًّا من الشّعوب لم يقدر على تحقيق هذا القدر من الإنجازات في مثل هذا الحيّز الزمنيّ القصير. وإذا تفحَّصنا فنونَهم، فإنّنا نعترف لهمْ بأصالةٍ لم يتجاوزهم فيها أحد

المزيد


مفاتيح للنجاح…

فبراير 6th, 2012 كتبها د. رياض الجوّادي نشر في , فكر

 

 مفاتيح للنجاح

تربويــات - في تنمية الذات

 

نُولَدُ وأسباب النّجاح تحفّ بنا:
 
   كرم الله الإنسانَ بالخلافة، وأنعم عليه بالعقل ليُعمّرَ هذا الكون، وليُضفيَ على هذه الحياة معنًى من خلال ما يبذله من الجهد والمثابرة والعمل الفاعل والسلوك الإيجابي، يقول تعالى في كتابه الكريم: "وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَم لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" (النحل/76). 
 
   والإنسان منذ أن خُلق مهيّأ لتحمّل هذه المسؤولية بنعمة العقل فهو كما يقول "توني بوزان" وآخرون (2008) يمتلك مخزونا طبيعيّا من المعارف والمعتقدات التي يقوم بتطويرها على مرّ السّنين، ويحكم ذلك المخزونُ سلوكيّاتِه وردودَ أفعاله اليوم. كما تقوم البيئة المحيطة به وردود أفعاله تجاه هذه البيئة بتطوير هذه السّلوكات وتعزيزها. والواقع أنّ عقلنا لديه القدرة على تعلّم أية مهارة، وفتح أي طريق، إذا وجد منّا الاهتمام، وإذا وُجدت القدوة المناسبة ليُحتذى بها، وإذا حصل على التّدريب الجيّد والممارسة الجيّدة.
 
   إذن فقد وُلدنا وأسبابُ النّجاح تحفّ بنا، فإنّنا نمتلك بحوزتنا مخزونا هائلا من الطاقة والمهارات، وما علينا إلا أن نقرّر بدْأ حياتنا بشكل حافل، من خلال اتّخاذ خطوات حثيثة وبذل مجهودات مستمرّة.
 
معادلة النّجاح:
 
هناك طريقة جديدةٌ نسبيّا من طرق التّفكير تُعرَف بمعادلة النّجاح (TEFCAS وهي عبارة عن سلسلة عمليّات تنظّم تفكير العقل وتوجّهه نحو تحقيق أهدافه:
 
T
Trials
المحاولات
E
Events
نتائج
F
Feed-back
مردود
C
Check
اختبار
A
Adjust
ضبط
S
Success
نجاح
 
وتتلخّص هذه المعادلة في الخطوات التّالية:
1.    عرّف وحدّد مفهوم النّجاح، حيث إن العقل موجّه آليّا إلى النّجاح ويحتاج إلى هدف واضح ليعمل على تحقيقه.
2.    حاول تنفيذ كلّ المقترحات التي يبتكرها عقلك في محاولته تحديد مسار العمل الذي ينبغي الاضطلاع به لتحقيق النّجاح.
3.    سوف تنشأ النتائج كثمرة لتطبيق التّجارب.
4.    تلقّ المردودات من الآخرين ومنك أنت شخصيّا.
5.    اختبر المعلومات قبل قبولها، لأنّ العقل ينشُد الحقيقة ويحتاج إلى معلومات دقيقة ليقوم بضبطها.
6.    اضبط أعمالك وفقًا "للمردودات" التي تتلقّاها.
7.    كرّر معادلة النّجاح "TEFCAS"كلّما لزم الأمر.
8.    حقّق النّجاح كما عرفته وحدّدته.
9.    احتفِ بنجاحك.
 
الشكل(1): نموذج معادلة النجاح "TEFCAS (توني بوزان، القائد الذّكي. ص140)
S
A
C
F
E
T
نجاح
ضبط
اختبار
المردود
النّتائج
المحاولات
استمر في اتباع الخطوات الخمس الأولى وستصل إلى هدفك!
اعمل وفقا "للمردودات" التي تتلقاها وتعريفك "للنجاح" و"اضبط محاولاتك" التالية
اختبر دقّة "المردودات" التي تتلقاها ومدى صلتها بالهدف.
تلقّ المردودات المتعلّقة بالحدث من الآخرين ومنك أنت شخصيّا
يحدث شيء ما يقربك أكثر فأكثر من هدفك.
حاول أن تتقدّم نحو هدفك.
 
 
 
 
 
 
التكـرار يـؤدي إلى الإتقـان
 
-   اختبر هذا النّموذج بتطبيقه على موقف لا تجد فيه نفسك ناجحا كما ينبغي، وسوف ترى كيفية استخدام هذه المعادلة للوصول إلى أهدافك.
 
مبادئ النّجاح:
 
يقول نابليون هيل (1883-1970) مؤلّف كتب التطوير الذّاتي والذي كان مستشارًا لكبار رجال الدّولة: "الإنسان قادر على تحقيق كلّ ما يُدركه عقله ويؤمن به". وقد اتّخذ حياتَه الشخصيةَ شاهدًا على صحّة كلامه، حيث انتقل من العيش في كوخ خشبيٍّ إلى أعلى مراتب الثّراء والتّأثير، وقد وضع "هيل" في الكتاب الذي ألّفه هو و"دابليون كليمنت ستون" مبادئَ النّجاح السبعةَ عشر، ولم تكن هذه المبادئُ من قريحة المؤلّفَيْن، بل كانت مستقاةً من خبرات حياتية لمئات من أنجح الأشخاص عبر القرن الماضي.
 
وهذه المبادئ السبعة عشر هي:
 
1)       التوجّه الذهني الإيجابي.
2)       وضوح الغرض.
3)       بذل جهد إضافي.
4)       التفكير الدقيق.
5)       الانضباط الذّاتي.
6)       العقل المدبر.
7)       التمسك بالإيمان.
8)        الشخصية المحبوبة.
9)       المبادرة الشخصية.
10) الحماس.
11) الانتباه المقصود.
12) العمل الجماعي.
13) التعلم من الفشل.
14) الرؤية الإبداعية.
15) إدارة الوقت والمال.
16) الحفاظ على السلامة البدنيّة والعقليّة.
17) استخدام قوة العادة الكونية (القانون الكوني).
 
 
"إنّ الشّخص الذي ينجح ويتفوّق على رفاقه هو الذي يكون له السّبق في الحياة، ويتبيّن هدفه بوضوح، ويوجّه قواه تجاه ذلك الهدف بشكل ثابت، فحتى العبقريّة نفسها ليست سوى ملاحظة دقيقة مدعومة بثبات الهدف، وأي شخص يلاحظ بانتباه ويصمّم بثبات يتحوّل بلا وعي منه إلى شخص عبقري".
إدوارد بولير-لايتون
 
 
 
الطريق إلى النّجاح:
 
على كلّ من يريد بلوغ النّجاح أن يحقّق جملةً من الشّروط لعلّ أهمّها:
 
ملازمة الإيجابيّة:
ما هو الموقف الإيجابي أو التوجّه الإيجابي؟
- هي الطريقة التي يُكرّس بها الإنسان نفسه ويوجّه بها تفكيره وينقل من خلالها مزاجه إل الآخرين بشكل إيجابي، وتنبع الإيجابية من داخل الإنسان من قدرته على معالجة الأفكار بغضّ النظر عن الظروف.
 
·        

المزيد


التّجاذبات السياسوية على محكّ الشرعية…

يناير 25th, 2012 كتبها د. رياض الجوّادي نشر في , خواطر, فكر

 

التجاذبات السياسويّة على محكّ "الشرعية"
- قراءةٌ علمية معياريّة في الواقع التونسي الرّاهن -
 

     …ومقتضى النضج السياسي أن يكون كلّ أداءٍ -فرديا كان أو جماعيا، سياسيا كان أو اجتماعيا أو إعلاميا أو ثقافيا- محترما لهذا المحدّد المعياري حتّى يكون هذا الأداءُ مُسهِما حقيقيّا في ترشيد المسار حتّى نبلغ شاطئ الاستقرار الإيجابي الذي ننشد منذ مدّة في يقظة كاملة وهدوء راشد ومسؤول، ولو على حساب "المكاسب" العاجلة للشخص أو للحزب، لأنّه في حالة الانتكاسة وإجهاض التجربة قبل أن تقف على سوقها، فإنّ الخسارة لن تستثنِـيَ أحدًا…

 
 
     إذا أردت أن أبنيَ قراءةً علميَّةً معياريّةً للمشهد السياسيّ والاجتماعيّ الراهن في تونس، بعيدا عن المواقع والحسابات الحزبية الضيّقة، وبعيدا عن المواقف الإيديولوجية التي تَـخَنْدق وراءها كثيرون بوعي وبغير وعي، فإنّي لن أجد أوضح من معيارين لا أظنّهما محلّ خلاف من أحد وهما:
 
     1- المعيارُ الأوّلُ: احترام الشرعية والتسليم الفعليّ لإرادة الشعب وفق ما تُحدّده الآليات التي بنَتْها المؤسّسةُ التأسيسيّة… ويتجلّى هذا الاحترام للشرعية في المؤشّرات التالية:
 
     -       التسليم باختيار الشعب والعمل الإيجابي في إطاره تَـمهيدا لقاعدة التّداول على السلطة التي يجب أن تُبنى من كلا الطّرفين، وقد تُجهض -لا قدّر الله- منهما كذلك…
 
     -       إتاحة الفرصة أمام المؤسسات الشرعية للعمل في هدوء ورويّة بعيدا عن المزايدات السياسوية الضيقة التي لا تعرف إلا تتبع العورات وتسقّط العثرات…
 
     -       تقديم العون للمؤسسات الشرعية في ظلّ سلوك سياسي ناضج يتعالى على الحسابات الضيقة ويؤمن بأنّ نجاح تلك المؤسسات هو نجاح للدولة والمجتمع ما لم تتنكّر لشروط العقد، حينها فإنّ المجتمعَ كلَّه سيسحب منها الشرعيةَ، والجميعَ سيتصدى لها حتّى تُعدِّل مسارَها أو تتخلَّى عن موقعها…
 
     -       متابعة عمل المؤسسات وتقديم النصح لها وتقييم أدائها عبر الآليات القانونية التي أرسَتْها المؤسسةُ التأسيسية ووفق روزنامة معقولة لا تحكمها أيّ روح انتهازية فرديّة أو جماعيّة…
 
     2- المعيارُ الثّاني: الوعي بهشاشة المرحلة وبخطر الانتكاسة الذي يتحدّق بالثورة… ويُترجَم هذا الوعي من خلال المؤشرات التالية:
 
     -       المساعدة على التهدئة الشاملة…
 
     -       اجتناب كلّ النزاعات المفتعلة إلى حين نضج التجربة ووقوفها على قدميها قويةً وقادرة على مواجهة الرياح وحتّى الأعاصير…
 
     -       المبادرة بالمساعدة على إيجاد الحلول من خلال منظمات المجتمع المدني…
 
     -       الإسها

المزيد


المشهد الإعلامي في تونس…

يناير 17th, 2012 كتبها د. رياض الجوّادي نشر في , خواطر, فكر

 

المشهد الإعلامي في تونس
حلفُ "الرّداءة" و"الفساد" و"الاستخفاف بالإرادة الشعبية"
 
كان العرب قديما يقولون للذي يُخسرُ الميزانَ في ثمرة سيّئة فيجمع بين السيئتين: سوء البضاعة وسوء الميزان…
"أَحَشَفا وسوءَ كِيلة؟"* (والحشف التمر الرّديء)
فماذا عساهم يقولون في إعلامنا اليوم وهو يجمع بين "الرداءة" و"الفساد" و"الاستخفاف بالإرادة الشعبية"؟
أظنّ أنّ المثلَ السّابقَ ما عاد قادرا على أن يعبّر عن هذه الظّاهرة الغريبة التي تَجْثُم على صدورنا أيّامنا هذه، حتّى لكأنّ الثَّورةَ أصابت كلّ شيء إلا الإعلام، فإّنها لم تبلُغه بعد، أو لعلّ الأصوبَ أن أقولَ: إنّ كثيرًا من إعلاميينا لم يبلغوا بعدُ القدرة على أن يَعُوا اللحظةَ التاريخية التي نحن فيها والتي جلَبَت من التغيير في الوعي والسلوك ما لم يقدر عليه قرنٌ كاملٌ من الألم والأمل، إلا سلوك كثير من الإعلاميّين فيظهر أنّه قد تكلّس إلى الحدّ الذي جعلَه مستعصيا حتّى على الوعي الذي أصاب كبدَ الحجارة ففتّتها فضلا عن أكباد الأمّهات الثَّكَالَى اللَّواتي رمَيْن أبناءَهنّ في رَحَى الموت ليعيشَ المجتمعُ لحظةَ صلح حقيقيّة مع كرامته ووعيه وحريّته…   
 
لقد خذلَ الإعلامُ (في تيّاره الغالب) الوطنَ أكثرَ من مرّة:
-       خذلَ الوطنَ مرّةً أُولَى لمّا ارتضى أن يكون بُوقًا للاستبداد، وحَلِيفًا إستراتيجيًّا له لضرْب كلِّ مقوّمات الهويَّة والإنسانية في الشخصية التونسية، وتَجفيف منابع القيم والأخلاق والتفكير داخل البلد. ولكنّ الأمر إذا احتدّ انقلب إلى الضدّ، ولذلك فقد آل الأمر بالإعلام إلى أن يفقد حينها كلَّ مصداقيته، وإلى أن يُصبح مبْعثَ السّخرية والاستخفاف داخل البلاد وخارجَها، بل كادَ يكون مثلا يُضرب بين الناس فيُقال: لن يكونَ أكثرَ سخافة من الإعلام التُّونسي!!!
 
-       وخذل الوطنَ مرّةً ثانيةً حينَ لم يقدر أن يأخذ المسافةَ ذاتها من الفرقاء جميعِهم رغم محاولةٍ لتحقيق التّوازن لم تطُل كثيرا، وسرعان ما أُجهضت ليَفتح الإعلامُ التونسيُّ منابرَه كلّها للوجوه نفسِها يعزفون سنفونية الوصاية على الحقيقة وعلى مكاسب المجتمع، والاستئثار بالحداثة والتقدّم والوعي… ومرّةً أخرى، يرتدُّ هذا الصّنيع المجافي للعدل على أصحابه، ويُثير في المواطن نفسَ مشاعرِ التقزّز من المناورات المفضوحة ومن الولاءات الضيّقة الضّاربة بِجذورها في أرض النظام السابق، والتي تُحاول أن تُورق من جديد بنفس آليات العهد السابق. وقد ترجم الشعبُ هذا التقزّز في صناديق الاقتراع رافضا كلّ أنواع الوصاية على مكاسب المجتمع ومكاسب المرأة باعتباره الضامن الوحيد لهذه المكاسب، و

المزيد


حتّى لا نُخدع…

يناير 17th, 2012 كتبها د. رياض الجوّادي نشر في , خواطر, فكر

 

حتّى لا نُخدع

 

 …واحذر أيها التّونسي الواعي أن تكون وقودًا لحسابات سياسوية ضيّقة، واستثمر المتاح لتكونَ… لا ليكون غيرُك على حسابك… ولا تُهدر ثَمرة جهد الأجيال ولا تُهدر رزقَك بيدك، لأنّك حينَها تكون كالذي يكسر رجليه لأنّه يريد أن يَمشي أسرع…

 ولنتذكّر أنّ شهداءَنا أهدَوْنا أرواحَهم لنَبْني الأوطانَ لا لِنَهْدمها…

 

 في النظم السياسية الحديثة، ليست الدولةُ هي المعنية وحدها بتوفير كلّ مواطن الشغل لكل الناس، فذلك منطق تعجيزي وراءه مغالطةٌ سياسويَّة مفضوحة، والغريب أنّ الذين يتبنّونها هم ليبراليون يتنكرون لأبسط قواعد الليبرالية.

وذلك لا يُعفي الدولة من أدوار إستراتيجية خطيرة لها تعلق وثيق بالشغل والتشغيل:
-       فهي التي توفّر التعليم الجيّد…
-       وهي التي تضمن التأهيل المستمر…
-       وهي التي توفّر البنية الأساسية التي تساعد على سهولة حركة الاستثمار والأشخاص والأموال والخدمات والأعمال…
-       وهي التي تُولّد الأطر المساعدة على احتضان المبادرات والأحلام…
-       وهي التي توفر الخدمات الأساسية والنظم التي تكفل الحياة الكريمة لكل أفراد الشعب.
-       وهي التي تعمل على توزيع عادل للثروة…
-       وهي التي تحرص على تحقيق التوازن الجهوي…
-       وهي التي تبني التشريع المشجع على المبادرة والراعي للحقوق…

المزيد


لا كهنوت في الإسلام…

يناير 12th, 2012 كتبها د. رياض الجوّادي نشر في , فكر

  

لا كهنوت في الإسلام
 يُحاول الذين يُريدون أن يُلبّسوا المفاهيمَ على الناس، ويُحبّون ممارسةَ هوايةِ حشر التّجارب كلّها في نسق واحد ليسهل عليهم ضربها كلّها بحجر واحد، يُحاولون إسقاطَ المفاهيم والأحكام على التجربةِ الإسلاميةِ لأنها أتعبتهم بفرادتها، وكسرت كلَّ قواعدهم في التّحليل، وهزّت كل قناعاتهم، وشقّت عصا الطاعة على كلّ تصوراتهم، وصدّعتْ كلَّ توازناتهم. من ذلك حرص بعضهم على أن يُصوِّر الإسلامَ دينَ كهنوت مثل غيره من الأديان…
فإذا قيل له: ولكن ليس في الإسلام كنيسةٌ ولا كهنوتٌ ولا رجالُ دين، يجيبك[1]: أليس في الإسلام رجال يَمْلكون سُلطةَ التّشريع والحديث عن الله، أولئك يُمثّلون الكهنوتَ الإسلاميَّ.
وهم بذلك لا يحترمون منهجا، ولا يتوخَّون سبيل الأمانة العلمية، هَمّهم الوحيدُ أن يستجيب الإسلام لأحكامهم المسبقة، لا أن يَحكموا على الإسلام بحسب منطقه وخياراته. فهل تكفي السلطةُ التشريعيةُ المخوّلةُ للفقهاء حتى نحكم عليهم بأنهم يُمثلون كهنوتا بمعنى ما، إذ لو كانت السلطة التشريعية كافية في إضفاء هذه السمة، لكان كلّ المشرِّعين عبر العالم كُهَّانًا بهذا المعنى لأنهم المختصّون دون غيرهم بوضع التشريعات.
 
السلطة التشريعية بين الفكر الكهنوتي والفكر الإسلامي:
إنّ الذي يفرّق سلطة تشريعية كهنوتية، عن سلطة تشريعية اجتهاديّة إسلاميّة أمور كثيرة، لعلّ أهمّها:
-       الفرق الأول: السلطة الكهنوتية، في زعم القائلين بها، سلطة موهوبة من الله مباشرة عن طريق من خوّله اللهُ هذا القرار، بينما السلطة الاجتهادية الإسلاميّة هي سلطة مكتسبةٌ بناء على معايير علمية واضحة قابلة للقياس لا يُمنع منها أحد.
 
-       الفرق الثاني: السلطة الكهنوتية نافذة دائما وغير قابلة للمراجعة، بينما السلطة التشريعية الاجتهادية في الإسلام هي سلطة تقديريّةٌ قابلة للردّ والنقض والمراجعة، ورحم الله القائل "رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب"… فهل تشمّون شيئا من رائحة الكهنوت واحتكار الحقيقة في مثل هذا الخطاب الذي تنبئ عنه هذه المقولة وغيرها من النصوص مثل:
o     "قل هاتوا برهانكم".
o     "فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله".
o     "الحكمة ضالة المؤمن".
o     "أنتم أعلم بشؤون دنياكم".
o     "كلكم راد ومردود عليه".
o     "فإذا بلغ الأمر فلانا وفلانا، فهم رجال ونحن رجال".
o     "كلّ مجتهد مصيب".
o     "من اجتهد وأصاب فله أجران، ومن اجتهد ولم يصب فله أجر واحد"…
فكلّ هذه النصوص وغيرها يمكن أن تكون أُسسًا نوعيّة مميِّزة للسلطة التشريعية الإسلامية التي تنطلق من المرجعية الإسلامية ممثّلة في "النصوص" (الوحي) وليس في "الأشخاص"، ولكنّها تعتمد أدواتٍ ووسائلَ بشريةً في تقدير الحقّ من تلك نصوص وتنزيلها في الواقع.
 
الفرق الثالث: السلطة الكهنوتية هي تعبير عن الحقّ في صورته النهائية والملزمة، بينما السلطة التشريعية المخوّلة للفقهاء والمفتين هي سلطة "اقتراح"، ولا تبلغ الإلزامَ إلا بقرار القانون والقضاء، أمّا قبل ذلك، فهي مجرّد إمكانيات يتبنّى منها "المسلم" ما يُقدّره حقًّا في إطار ممارسته لحريّته الشخصية، وفي إطار تفريق "دقيق" ولطيف تجده عند فقهائنا بين ما هو صحيح "ديانةً"، وما هو صحيح "قضاءً"، فقد يكون الحكم صحيحا قضاءً وغير صحيح ديانة، ويُتصوّر العكس. وتفسير ذلك أنّ يحكم القاضي حُكمًا يكون غير مطابق للواقع بسبب شهادة زور أو عدم كفاية الأدلة، ولكنه –في التصوّر الإسلامي- يكون نافذا قضاءً في حكم البشر وتقديراتهم، غير أنّ هذا الحكم الخاطئ، وإن كان نافذا، فإنّه لا يُسقط الحسابَ الأخرويّ في منطق الدّين، ولا يُعفي مَنْ تعمّدَ الخطأَ من المحاسبة، إلا إذا اعترف بذنبه وأرجع الحقّ إلى أصحابه…
 
الفرق رابع: وهو أهمّ فرق في تقديري غير أني أخّرته لأنه يتجاوز المسألة التشريعية ليتعلّق بالبنية الهيكلية للدين، ويؤسس لفروق هيكلية بين الإسلام والمسيحية، ويمكن أن نجلّي معالم هذا الفرق من خلال المقولتين التاليتين:
-       الأولى من "أب" مسيحي، يشرح معنى الكهنوت في المسيحية فيقول: "سر الكهنوت هو تاج الأسرار لأنه بدونه لا يمكن للكنيسة أن تستمر ولا يمكن لأحد أن ينال مواهب الروح القدس بدونه وهذا السر قد تأسس منذ البدء كباقي الأسرار المقدسة." (أبونا مقار فوزي)
ويشرح "الأب" هذا المعنى من خلال العهد القديم فيقول: "معني كلمة كاهن خادم، وأمَرَ الربُّ بتقديم الذبيحة عن طريق الكاهن. وكلمة كاهن مشتقَّة من الكلمة العبرية "كوهين" أي المنبئ بأمر الرّب. والكاهن له منزلة النبي، وله امتيازات أكثر من الأنبياء، إذ أن الكاهن مؤتمن على الشريعة، ومسموح له بتقديم الذبائح إلى الله للتكفير، وحمل خطايا الشعب، كما ورد في سفر اللاويين وفي تعاليم الرسل في العهد الجديد".
ومن أهمّ مميّزاتهم المثبتة لهم في العهدين القديم والجديد: أُعطوا سلطة مغفرة الخطايا للناس بنص كتبهم المقدّسة:
o     "الحق أقول لكم: كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطا في السماء وكل ما تحلّونه على الأرض يكون محلولا في السماء "(مت18: 18)
o     وكرر الرب الوعد أيضا بعد قيامته "ولما قال هذا نفخ وقال لهم: اقبلوا الروح القدس من غفرتم خطاياه تغفر له ومن أمسكتم خطاياه أمسكت" (يو20: 21-23 )
 
-       الثانية من الباحث الغربي "ريتشارد سوذرن" يكشف براءة الإسلام من كلّ روح كهنوتية، ويُثبت له خصوصيَّتَه الإنسانيةَ المميزة، معبّرًا عن الفروق الهيكلية بين التجربتين الحضاريتين: المسيحية والإسلامية في كتابه "صورة الإسلام في أوروبا في القرون الوسطى" فقال: "لقد كانت مُثُل أوروبا الوسيطة بشكل أساسي هي الرهبنة والكهانة والهرمية الاجتماعية… بينما عرف الإسلامُ الوسيطُ المزدهر فئاتٍ بشريّةً مَدِينِيَّةً متحرّرةً، مقبلةً على العمل والحياة، ومستندة إلى سواسية مبدئيّة اجتماعيا، تستمْتِع بالنّقاش والجدل في المسائل كلّها، دونَما كُهّان أو أدْيرة في البنية الأساسيّة للاجتماع."[2]
 
هل التخصّص كهنوتٌ؟
أردت بهذا العنصر أن أشير إلى أنّ نفي الكهنوت عن الإسلام لا يعني التنظير لفوضى التشريع والإفتاء، وفتح الباب لأن يقول كلّ من شاء ما شاء، لأنّ كثيرا من النّاس لا يفرّقون بين مستويين للدّين:
- المستوى الأوّل: وهو مست

المزيد


قراءة نقدية في سياسات تأويل النص الإسلامي…

ديسمبر 26th, 2011 كتبها د. رياض الجوّادي نشر في , فكر

 

 قراءة نقدية في سياسات تأويل النصّ الإسلامي

 
نحن بين نوعين سلبيَّيْن من التفكير المعاصر في التّشريع الإسلامي:
-         تفكير يسعى إلى خنق الإسلام وإلى حرمانه من مجاله الحيوي، حيث يَمنع عنه كلّ أشكال التطوير والتجديد بما يضمن فعاليَّته المستمرة، ويُحقّق مقولة صلاحيته لكل زمان ومكان في أرقى أشكالها العملية وأكثرها أصالةً (أقصد بها الجدّة، ولكن وفق منطقها لا منطق غيرها).
-         وتفكير يسعى إلى إفراغ الإسلام من كلّ مضمون، ويُؤَسّس لقراءات تأويلية لا ضوابط لها، بما يجعله تابِعًا لكلّ الأفكار والمقولات الحادثة، لاهِثًا وراءَ إرضاء الآخر حتّى ولو على حساب ثوابته ومقولاته الأساسية، حْقلا لكلّ التّجارب المنهجية حتّى تلك التي أظهرت إفلاسَها عند الآخرين.
وبعيدا عن هذه الرّوح التي تحكم هذين الموقفين الحدّيّيْن، يحترم الإسلام كلّ مجالات الحياة الإنسانية، وينظر إليها في كثير من التوازن، فهو يُوَحّد بينها من حيث ضرورةُ احترامها للبعد الأخلاقي الذي يميّز الإسلام كدين في كلّ منظوراته، ويفرّق بينها من حيث منهجُها وآلياتُ عملِها:
-        فإذا تعلق الأمر بالبحث العلمي في الكون والطبيعة، فالمرجع فيها إلى الخبرة والتّخصّص والسّنن والقوانين العلمية التي تحكم الكون، ولا حدّ للبحث فيها إلا العامل الأخلاقي مبدأً ومنتهًى من حيث احترام الحياة ورعاية البيئة والاستخدام الجيد لصالح الإنسان…
-        وإذا تعلق الأمر بالمسائل التعبّديّة، فإنّ الغالب عليها التسليم للنصوص، ولا يحضر القياس فيها إلا قليلا، ويكون هذا القياس غالبا فيما يتعلق بالمقادير والموازين وما شابهها من الأحكام الشكلية…
-        وإذا تعلّق الأمر بمسائل المعاملات من عقود وبيع وشراء وزروع، فإنّ المرجع في تنظيمها غالبا المصالحُ والمقاصدُ والقواعد الكلية، وتتسم أحكامها عموما بمعقوليتها وقابليتها للتعليل، وبالتالي تكثر فيها المقاييس وعمليات الاستصلاح والاستحسان..
وقد رسم القرآن الملامح الأساسية للسياسة التأويلية التي يقتضيها الإيمان من خلال عدد من الآيات منها قوله تعالى:
- "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا" (النساء: 59).
- "فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا" (النساء: 65).
- "وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا" (الأحزاب: 36).
- "هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَ

المزيد


أزمة القراءة في المجتمعات العربية:

ديسمبر 23rd, 2011 كتبها د. رياض الجوّادي نشر في , أدب, تربية وتعليم, فكر

 

 استشارة مفتوحة لحلّ مشكلة القراءة في المجتمعات العربية

 

 

بعد هذا التقرير الفاجعة الذي صدر أخيرا والذي يقول: إنّ متوسط قراءة الإنسان العربي ستّ دقائق في العام، مقارنة بمائتي ساعة لدى نظيره الأوروبي!!!

فماذا تقترحون لتطوير عادة القراءة لدى الإنسان العربي؟

المزيد


التالي