سلسلة: في الحداثة الإسلامية…
قراءةٌ نقديَّةٌ في الأسس المرجعيَّة للحداثة الغربيَّة (1)
النزعة "الإنسانويّة"… أو الدّين الذي يُوثِّــن الإنسانَ…
المميزات النّوعيّة للحداثة الغربيّة:
- الإنسانُ الفرد هو القيمة العليا في الوجود…
- الإنسان هو معيارُ كلّ شيء…
- التّمرّد والنقض والهدم هو المنهج الأمثل للتعامل مع القديم…
- الفحش خيار إستراتيجي واع…
- الإعلان عن موت الإله…
إنّ "تأليه" الإنسان أحدُ أهمّ الأسس البنيوية للحداثة الغربيّة. والغريب أنّ هذا المفهومَ ذاتَه كان المدخلَ إلى "تشيئة" الإنسان و"إعلان موته"، مفارقة غريبةٌ لا يُدركُ كُنْهَها إلا من عاشَر ذلك الاضطراب الذي يعيشه العقل الغربيّ منذ قرنين من الزمن تقريبا، اضطراب ينبغي أن لا يُنسينا ما تَميّز به هذا العقل من حيويّة خلال هذه الحقبة المنصرمة، ولكنّه يَشِي في نفس الوقت بنوع من التّيه وفقدانِ المعنى لا يُنكره كثيرٌ من أعلام هذا الفكر وأكابرُ المنظّرين له:
- عبّر عنه "مارت هيدجر" في بعض العبارات التي كان يُردّدها خلال دروسه ومحاضراته الأولى في الجامعة، والتي يُمكن أن تكون بمثابة ذلك الخيط الرفيع الذي قد يهدينا إلى منبع الإيحاءات الأولى لما سيرتسم عنده كنزعة تشاؤمية وعدمية، ومن هذه العبارات قوله: "لقد نسي العالم الحديث اللحظات الأخيرة من الحياة البشرية… تلك الحياة التي تعتبر متجاوَزة، منذ البداية وإلى الأبد، من طرف الموت."[1]
وعبّر عنه في سياق آخر وهو يعلن أنه لم تبق هناك من مهمّةٍ ملقاةٍ على عاتق الفلسفة سوى "أن تقذف بالإنسان أمام مصيره القاسي… وتُرغمَه على التخلِّي عن عادة الحرص على ألا يهتم في عمل الفكر إلا بما يعود عليه بفوائد عمليّة"[2]
وفي آخر حوار أُجري معه قبل وفاته، كان "هيدجر" يُردّد أنّ كلّ ما لدى الإنسان من اهتمامات وانشغالات وطموحات لا يُمكن أن تُغيّر شيئا في الوضعيّة الحاليّة للبشر وللعالم، "ووحده مجيء إله قادر على خلاصنا"[3]، وحتّى هذا الإله "الأمل" يظلّ مجهولا، ويختلف عن كلّ ما اتَّخذته البشرية حتّى الآن من آلهة.[4]
- وعبّر عنه "ليفي ستروس" وهو يقول: "لقد بدأ العالم قبل الإنسان، وسوف ينتهي بدونه. وهذه المؤسسات والأعراف التي أمضيتُ حياتي في إحصائها ومحاولة فهمها، ليست إلا نوعا من الازدهار العابر"[5].
بمثل هذه الكلمات، كان ليفي ستروس يعبّر عن اقتناعه بأنّ الثقافة كتنظيم للحياة البشرية تحمل في نهاية الأمر عوامل هدم وتدمير، وأنّ الحلول التي يقترحها التقدّم العلمي لمشاكل البشر ليست مُثلى ولا مرضية، وأنّ البشرية مشرفة بالتأكيد على هاوية الفناء الوشيك.[6]
قد تكون هذه النّزعةُ "الإنسانوية" المتطرّفة احتجاجا حادًّا على الاضطهاد الذي عاشه الإنسان في علاقته بالكنيسة على مدى قرون، أو هي بِمعنى آخر محاولةٌ لإعادة الاعتبار للإنسان تجاوزت كلَّ حدّ ووقعت في التّطرّف المضادّ، وقد زادتها الاكتشافات العلمية الجديدة حِدّةً، وأرهقتها غُرُورًا، حيث انتفخت "أنا" الإنسان وتجاوزت كلَّ حدّ، وأصبحنا نسمعُ بوضوح حديثًا عن الدّيانة الإنسانية حيث يكون الإنسان الكائن الأعظمَ والإلهَ على حدّ تعبير "أوغست كونت" في القرن 19، وحيث يُقال للإنسان: "افعل ما تشاء" مادام هو المعيار الوحيد، وهو مقياس كلّ شيء.
لقد كان الكهنوت في الدّيانات السابقة يسحق الإنسان ويُلغي عقلَه وإرادته. فجاءَ الإسلامُ ليرفعَ هذا الظّلم الدّيني عن الإنسان، ويُعيد إليه الاعتبارَ في توازنٍ:
- عبّر عن ذلك ربعيّ بن عامر وهو يقول: "الله ابتعثنا لنُخرج من شاء من جَوْر الأديان إلى عدل الإسلام"
- وأسّس له قوله تعالى: "وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ" (الرحمن: 7 - 9).
غيرَ أنّ الحضارةَ الغربيّة -ولأنها رزحت طويلا تحت جوْر الكنيسة-لم تقدر على تحقيق التوازن، وأسّست لفكر إنسانوي لا ينسف الكهنوتَ باسم الله فقط، بل يُلغي الله مرّةً واحدةً، ويقيم نفسَه مقامَه، وأَغْرقَت في المادّية، وأسّست لديانةٍ جديدة هي ديانة الإنسانية، وليس لها من إله سوى الكائن الأعظم وهو الإنسان… وبذلك تَمُرّ الحضارة الغربيّة من اضطهاد الإنسان باسم الإله، إلى إلغاء الإله باسم تحرير الإنسان… فيكون الـمُفتَرَى عليه في الحالين هو الله، ويكون الخاسرُ في الحاليْن هو الإنسان…
ما حقيقة الفكر الإنسانويّ؟
يَقول "شيلر" (1903): "إنّ هذا المذهب الفكري هو التعبير الحديث عن مقولة براتاغورس القديمة في أنّ الإنسان مقياس كلّ شيء"[7].
أمّا "هيدجر" فيعرّفه في نصّ له يرجع إلى سنة 1938 فيقول: "… ذلك التأويل الفلسفيّ للإنسان، الذي يفسّر ويقيّم كلّيّة الموجود انطلاقا من الإنسان، وفي اتّجاه الإنسان"[8]. وفي نصّ آخر كُتب سنة 1940 يعرّف النّزعة الإنسانية بأنّها تلك الفلسفة التي تضع الإنسانَ في مركز الكون عن قصد ووعي، وتعتقد، من خلال تأويلات ميتافيزيقية معينة للوجود، في إمكانية تحرير قدراته وتأمين حياته والاطمئنان إلى مصيره وتطوير وتنمية طاقاته الإبداعية… ففي النزعة الإنسانية، يتمّ دائما الدوران في فلك الإنسان"[9]
إنّ المذهب الإنسانويّ يرى أنّ على الإنسان الفرد أن يضع معاييره الخاصّة للخطأ والصّواب، والخير والشرّ، والجمال والقبح. والإنسان بعد ذلك هو سيّد نفسه وسيّد مصيره، وهو سيّد الطّبيعة، ولا مكان لأي سيّد آخر في هذا الكون سوى الإنسان. إنّ الإنسانويّة باختصار هي تأليه الإنسان.
فهو بهذا المعنى دعوة لتحرير الإنسان من كلّ سلطة خارج حدود الإنسان ذاته: تحريره من فكرة الإله، وتحريره من الكنيسة، وتحريره من سلطة العادات.
كثيرا ما يُعيد التّاريخ نفسه، وغالبا ما يقوم الإنسان بإعادة إنتاج مقولات قديمة في صيغ جديدة، ولقد تحدّث سقراط وأفلاطون بما فيه الكفاية عن مقولة براتاغورس "الإنسان مقياس كلّ شيء"، مؤكّدين على أنها لا تؤدّي إلا إلى نتيجة واحدة: هي ضياع كلّ مقياس. وقد تولّى أفلاطون نقد هذه المقولات السفسطائية في كثير من أعماله مثل محاورة ثياتيتوس.
وعليّ أن أكون دقيقا حتّى لا أظلم السفسطائيّ القديم وأنا أشبهه بالسفسطائيين الجدد، فرغم وجه الشبه بين الطرفين في كثير من مستويات المقالة، فقد كان السفسطائي اليونانيُّ أكثر اعتدالا وتواضعا من السفسطائيين الجدد، حيث جعل براتاغورس اليونانيّ فاصِلاً ما بين عالم الإنسان وعالم الآلهة باعتبار أنّ عالم الآلهة هو ذلك العالم الذي لا يستطيع براتاغورس اليوناني إدراكه فقرّر تنحيته جانبا، أمّا براتاغورس الحديث، فهو لا يقبل بأقلّ من تنصيب نفسه إلها ومبدأ أوّل مُطلقا.
قامت "الإنسانوية" إذن على الاعتقاد بأنّ "الإنسان هو معيار كلّ شيء، وأنّ كلّ امرئ مقياس نفسه." وفي البدء تبنّاها رجال كانت الفردية شعارهم، وقد "كان هؤلاء الرّجال فرديين يقابلون التابعين الجبناء الذين ينتمون إلى رهبان العصور الوسطى." [10]
وليس من قبيل المبالغة القول بأن الفكرة الإنسانوية هي الفكرة الأساسية والمحورية لكلّ ما يُسمّى بالعصر الحديث والذي يؤرّخ له عادة بدءا من عام 1500 وحتّى يومنا هذا، لأنّها حملت في أثنائها وفي حالةٍ من الكمون كلّ أفكار الثقافة الغربية الحديثة التي نَمت وتطوَّرت على مدى القرون التالية.[11]
وهي تعمل على إحداث تغيير جذْري في الوعي البشري، من التمركز حول الله إلى التمركز حول الإنسان[12]، وقد مثّل هذا التيّار أمثال "بيكودي لاميراندولا"[13] و"أراسموس"[14] و"لورانزوفاللا"[15].
إنّ الإنسانوي يُثبت شيئا واحدا وأساسا لكلّ ما يُمكن أن يعترف به ويقبله وهو الإنسان الفرد. ولو حاولنا أن نختصر الإنسانوية في كلمة واحدة لكانت "الفردية". "لقد بدأت الفردية تظهر أولا كمبدأ أخلاقي، ثمّ أصبحت مبدأ اجتماعيا، وصارت في المحصّلة مبدأ وجوديّا (أنطولوجيا) يرى في الفرد صورة الواقع الأكثر جوهرية وقيمةً عليا في الوجود، أي أنها ترفض وجود أي مستوى أعلى من مستوى الوجود الفردي.
الإنسانويّة تأليه للإنسان؟
لا نُورد مفهوم التأليه في صيغته المجازية كأداة من أدوات التّحليل، بل نُورِده في معناه الصّريح والمباشر بكلّ ما يتضمنه المفهوم من الدّلالات والمكوّنات. فالإنسانوية بهذا المعنى الذي مرّ معنا آنفا هي تأليه للإنسان ونفي لله، وليس في هذا الحكم أيُّ تَجَنٍّ أو مبالغة، فهاهي نصوصهم الصّريحة تنطق بذلك دون الحاجة إلى أيّ تأويل أو أيّ اختلاق للدّلالات الإضافيّة التي تُستجلب من بعيد:
- فهذا "رابليه" أحد أبرز رموز الأدب في عصر النهضة يُؤَسِّس ديرَه الخاصَّ ليكون ديرا علمانيا حقًّا يقبل الرِّجال والنساء على حدّ السواء، وقد نقش على مدخل ديره: "افعل ما تشاء".[16] وبذلك يكون رابليه قد قدّم نَموذجا لما يعنيه الإنسانويّ بالتّحرّر، هذه الفكرة التي تطوّرت بعد ذلك وكوّنت مضمون الفكرة الليبرالية في صورتها الأكثر توحّشا وانفلاتا من قيود القيم…
- وهذا الفرنسيّ "أوغست كونت" مؤسس الفلسفة الوضعية وعلم الاجتماع الحديث يتقدّم في القرن 19 بنظرية مفادها أنّ البشرية في المرحلة الحديثة بحاجة إلى ديانة جديدة هي ديانة الإنسانية. وقد قام بوضع أسس هذه الدّيانة بنفسه[17]:
o فالإله في هذه الدّيانة هو الكائن الأعظم (الإنسان)، وهو عبارة عن كائن حيّ في حالة نموّ مستمرّ يمثّل الإنسانية الماضية والحاضرة والمستقبلة.
o ولهذه الديانة عقائدها، كما أنّ لها عباداتها وصلواتها.
o ولها معبدها الخاص وحبرها الأعظم الذي يُمثل بابا الإنسانية.
o ولها أعيادها الخاصة المرتبطة بأسماء من أسهم في تقدّم الإنسانيّة. وهو لذلك يضع تقويما جديدا لتنظيم أعياد الدّيانة الإنسانيّة واحتفالاتها وطقوسها العباديّة.
o ولها منطقها في الثواب والعقاب بعد الموت، ذلك أنّ الأخيار من بني الإنسان سوف يُكرمون بعد موتهم بدفن رفاتهم في الغابة المقدسة المحيطة بالمعبد، أمّا إذا كانوا من الأشرار، فسوف يبقى رُفاتهم في مقبرة البلدية، أو يُدفنوا مع المرذولين.
- وهذا الفيلسوف الألماني المادي "فيورباخ" -على إثر نشره آراءه الإلحاديّة المعادية للدّيانة الإلهية- يدعو إلى إنشاء ديانة إنسانيّة جديدة هي دين المحبّة.
- وقد كان "روبسبير" قد سبق كلّ هؤلاء وتقدّم إلى البرلمان الفرنسي بمشروع لتأسيس دين الإنسان.
- كما أنّ الماركسية قامت على أساس فكرة "الديانة الإنسانية" دون عنوان صريح، فقد كان ماركس يرى أنّ الإلحاد الذي يكتفي بنفي وجود الله لا يعدو أن يكون مرحلة متجاوَزة، فالمطلوب من الآن فصاعدا بناء ملكوت الإنسان، وقد جاءت الماركسية بوصفها إيديولوجية شمولية نمطا لهذا الملكوت الإنساني بعد أن تمّ نفي وجود الله.[18]
ما مبرّرات ظهور التيّار الإنسانويّ؟
كان هذا الفكر الإنسانوي بِمثابة الفكر الانقلابي الثوري على الفكر المسيحي الموروث من القرون الوسطى، ولم يكن يَحمل في بدايته مبادئَ جديدةً واضحة المعالم بقدر وضوح وجلاء نزوعه الأساسي إلى تهديم القديم وتقويض أسسه.
يَدعو الإنسانويُّون إلى نبذ العصور الوسطى وتجاوزها على المستويات كلّها، ويقوم العصر الحديث في التصور الغربي نتيجة لهذا النفي والتجاوز، ذلك لأن الانطباع السائد عن القرون الوسطى في أوروبا أنها قرونٌ مظلمة يسودها الجهل والتخلف الكامل إلى الحدّ الذي دعا الفيلسوف الألماني نيتشه إلى اعتبار المسيحية شيئا زائدا ودخيلا على التاريخ الأوروبي لم يقُد إلا إلى نتيجة واحدة هي قتل الروح الأرستقراطية الحقّة[19].
غير أنّ الحريّ بالاهتمام أن نيتشه وهو يدعو إلى مراجعة علاقة أوروبا بالمسيحية لم يفُته أن ينوّه في المقابل بالتجربة الإسلامية لما تتضمّنه من مميزات تُعيد الاعتبار للإنسان ولفاعليته في الحياة فيقول: "تلك الحضارة المورسكية البارعة بإسبانيا، المتّسمة بروح شديدة القرب منا، والمتحدّثة بمعانينا وبأذواقنا أكثر حتّى من روما واليونان، تلك الحضارة التي دِيست بالأرجل، لا لشيء إلا لأنّها وليدة حسّ أرستقراطي… حسّ رجوليّ وشجاع، لأنّها قالت نعم للحياة، فضلا عمّا بها من رهافة حسّ أضفتها عليها الحياة المورسكية… لقد حاربها الصلييون وقد كان الأولى بهم أن يسجدوا لها في التّراب، تلك الحضارة التي لو قُورنت بقرننا السادس عشر، لَبَدَا هذا الأخير أمامها فقيرا ومتخلّفا…"[20]
ومثل هذا الموقف لم يكن شاذّا في تاريخ الفكر الأوروبي الحديث:
- فهذا "ريتشارد سوذرن" يُجمل مواطن تميّز الفكر الإسلامي في كتابه "صورة الإسلام في أوروبا في القرون الوسطى"، ويعرضها كفروق هيكلية بين التجربتين الحضاريتين المسيحية والإسلامية فيقول: "لقد كانت مُثُل أوروبا الوسيطة بشكل أساسي هي الرهبنة والكهانة والهرمية الاجتماعية… بينما عرف الإسلامُ الوسيطُ المزدهر فئاتٍ بشريّةً مدينية متحرّرة، مقبلة على العمل والحياة، ومستندة إلى سواسية مبدئيّة اجتماعيا، تستمتع بالنقاش والجدل في المسائل كلّها، دونما كُهّان أو أدْيرة في البنية الأساسيّة للاجتماع."
- وهذا "جوستاف لوبون" يقول: "كلما تعمّقنا في دراسة هذه الحضارة (العربية الإسلامية)، فإنّ الحقائق الجديدة تتبدّى لنا في كلّ مرّة، وإذا بالآفاق تتّسع أمامنا: سندرك سريعا أن القرون الوسطى لم تعرف العصورَ الكلاسيكية القديمةَ إلاّ من حلال العرب. وأنّه لمدة خمس مائة سنة، لم تعش جامعات الغرب إلا من كتبهم. وأنّه على المستويات الثلاثة: المادية والفكرية والأخلاقية، فإنهم همُ الذين أدخلوا أوروبا زمنَ الحضارة. وإذا درسنا أعمالَهم العلميةَ واكتشافاتِهم، فإنّنا نُدرك أنّ أيًّا من الشّعوب لم يقدر على تحقيق هذا القدر من الإنجازات في مثل هذا الحيّز الزمنيّ القصير. وإذا تفحَّصنا فنونَهم، فإنّنا نعترف لهمْ بأصالةٍ لم يتجاوزهم فيها أحد
المزيد