مشروع كتاب آخر أعدّه هذه الأيام للطباعة مساهمة منّي في تطوير طرائق التّدريس لمادّة التربية الإسلامية مستفيدا من تجربة طويلة في مجالي التنظير ووضع المرجعيات للمناهج الجديدة وفي مجال التأليف للمناهج المختلفة…
وسرّ هذا الاهتمام بهذه المادّة هو ما يُمكن أن تلعبه من دور فعّأل في عمليّة البعث الحضاريّ الذي نصبو إليه منذ قرنين من الزمنين تقريبا… والجهود الفعالة التي على هذه المادّة أن تساهم بها في عملية التجديد التي بشر بها نبيّنا صلى الله عليه وسلّم حين قال: "إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يُجدّد لها دينها"[3].
ومن هنا نعي بأنّ مفهوم التّجديد مفهوم أصيل… لم نستورده من أي مكان… بل هو آلية ذاتية قام بها رجالات الحضارة على مدى تاريخها الطويل كضمين لاستمرارها في العطاء… ولم تعرف الحضارة العربية الإسلامية نكستها إلا حين تخلى كثير من الخلف عن معنى التّجديد والاجتهاد… وغرقوا في أوحال التقليد… وتدثرت الأمة بدثار الاكتفاء… ومن هنا أبرمت من حيث لا تدري عقدا مع الموت أو كادت…
تقديــــم
- ما هي الخصائص النوعية المميزة لدرس التربية والتفكير الإسلامي؟
- ما هي المقومات المنهجية لدرس التربية والتفكير الإسلامي؟
- ماذا أدرّس في التربية الإسلامية؟
- ولماذا أدرّس التربية الإسلامية؟
- وكيف أدرّسها؟
يحاول هذا الكتاب أن يساعدك في الإجابة عن هذه الأسئلة، وهو يسعى إلى أن يُمدّك ببعض العون حتّى تدرك كيف فكرت بعض المدارس العربية في تدريس التربية الإسلامية وما هي فلسفتها في التعامل مع الدّرس مضامينَ وطرائقَ.
وهذا الكتاب لا يدّعي أنّه سيُوفّر لك كلَّ الإجابة، ومن يملكُ كلَّ الإجابة، خاصّة في مثل هذه الشؤون التي يُقدّرها كلّ بحسب ما عاش من التجارب، وما يحمل من الأفكار، وما يحكمه من الهواجس، وما يحتكم إليه من المنطلقات، وما بناه لنفسه من تاريخ تعليم وتعلّم…
فحسْبُ هذا الكتاب أن ينجحَ في طرْح السُّؤالِ المنَاسِبِ أحْيانا…
أوْ أَنْ يُساهم في وضْع مشروعِ إجابةٍ حِينًا آخَر…
أو أن يُسلّط الضَّوْءَ على طريقٍ تدْريسيّة يكتنفُها الغموضُ، وما أكثر الطّرقَ التي مازالت أسيرةَ الغُمُوض…
أو أن يُحِيل على مسالك تعليمية/تعلّميّة تحتاج إلى التّمهيد، وما أكثر هاتيك المسالك.
أو أن يُغازل مفهومًا تدريسيّا لم يتبلْور في أدبياتنا التربوية بما يُنَاسب موْقعَه، وكم هي تلك المفاهيم التي أعْيتِ الفَهْمَ، بل وأضحت حُجبا تَمْنَعُ من الفَهْم…
أو أن يَشُدَّ الرِّحال إلى تمشٍّ يُساهم في توضيح مقوِّماته ويُشارك في كشْف حدوده…
إنّه كتاب حاول أن يمسح -أفقيّا- المشاغلَ التي يطرحها تدريس التربية والتفكير الإسلامي في المنظومة التربوية التونسية دون أن يَقْدر على الغوص عموديّا في أعماق كلّ مشْغل… ولذلك فيُمكن لك أن تعتبره مدخلا إلى تدريسيّة المادّة، ومشاريع بحث ودراسة، ساهمتُ فيها ببعض اللّبنات هنا، وببعض الصُّوى هناك، وببعض الأسئلة هنالك… وبتضافُر الجهود لا بدّ أن تتبَلْور الرُّؤى، وتَشُدَّ الأطروحات من أزْر بعضها، حتّى ينْضُجَ التّناولُ، وتُضْحِي مساهمات المادّةِ في حقْل التّدريسيات جادّةً ومُضِيفة…
لقد كان هذا الكتاب في الأصل مادّة بدأت في جمعها وتبويبها، والتأليف بينها لما كنت بصدد تدريس المتفقدين بالمعهد الوطني لتكوين المكونين في التربية بقرطاج. وقد تبلور على مدى عامين، أسترق له من الوقت ما سنحت به الفرص حتى أزيده نضجا، أملا في أن يُصبح وثيقة علمية تقدّم مشروعا متميّزا في تدريس التربية والتفكير الإسلامي داخل المنظومة التربوية التونسية، حيث عرفت هذه المادة على مدى سنوات طويلة ترشّدا ذاتيا حملها على أن تهضم ما يتوفر لها من المناهج والطرائق، تُعمل فيه يد التحليل والتفكيك، يهديها قوله صلى الله عليه وسلم: "الحكمة ضالة المؤمن، أنى وجدها فهو أحق بها"، وتجد في سلفها من المجدّدين والعلماء الأفذاذ ما يُمدّها بالرؤية والعزم على مواصلة الطريق، فمن من العرب والمسلمين لا يعرف الشيخ الطاهر ابن عاشور صاحب التحرير والتنوير وهو يدعو في كتابه: "أليس الصبح بقريب" بصوت واضح لا يعرف التلكّأ، وبقلم منساب لا يعرف التعثر إلى إصلاح التعليم حتى يرقى في منتجاته إلى مستوى الآمال التي تعلقها عليه شعوب ناهضة ترنو إلى الرقي، وتطمح إلى أن تسترد مجدها، لا تحتاج إلا إلى أن تُفعّل قيمُها لتصبح هادية بحقّ إلى الإيجابية والإبداع والفعل في الحياة، وأن تراجع مناهجها بما ي
المزيد