Yahoo!

في العلاقة بين الدين والدولة…

كتبهاد. رياض الجوّادي ، في 12 مارس 2011 الساعة: 08:08 ص

 

 

     ظلت العلاقة بين "الدين" و"الدولة" محل نقاش بين الباحثين في الشأن السياسي منذ مطلع القرن الماضي. ورغم أنّ الأمر لم يُحسم نظريا لصالح فصل الدّين عن الدولة كخيار فكري مُقْنع وخيار اجتماعي غالب، إلا أنه عمليّا وفي ظلّ الاستبداد الذي عرفته أغلب المجتمعات العربية الإسلامية، وفي إطار الحلف الذي أُبرم بين هذه الأنظمة وبعض النخبة التي ترفع شعار الليبرالية والتّقدّميّة، فُرضت علاقة غريبة ومركبة بين الدين والدولة لم تعرفها أيّ أمّة متحضّرة، حيث مُورس الفصل المتعسّف بين الدّين والدولة رغم أنف المجتمع العربي الإسلامي، وفي الوقت ذاته مُورس "التسلّط" على المؤسسة الدينية حتى لا تؤدّي دورها في نوع من الاستقلالية التي تعيشها الكنيسة في المجتمعات الغربية، كما مُورس عليها "توجيه" فاضح لتكريس الواقع القائم، وحرمان المجتمع من خطاب ديني مستقلّ…
     وجاءت الثورة التّونسية لتُعيد تشكيل "الواقع" ومنظومة "العلاقات" التي تربط بين الأفراد والمؤسسات، واشتعَل المحيط الثقافي والاجتماعي "حوارات" في كلّ شيء، وكان نصيبُ السياسة والدّين من هذه الحوارات وافرا… وانتشرت المقولات والمقولات المضادّة هنا وهناك، تثير غبارا كثيفا من الجدل والنقاش الذي لم يُسعف أيّ مكان وأيّ شريحة… وقد كان من جملة المقولات التي بلغت مسمعي: "إن الرّبط بين الدّين والسياسة يتنافى مع الدّيمقراطية…"
وقصد الإسهام في بلورة التصوّر المناسب لخصوصيتنا الثقافية والفكرية، وعدم التورّط في عمليات الإسقاط التي لم تنجح إلى حدّ الآن في تحقيق التغيير الذي نصبو إليه منذ قرون، أسائل هذه "المقولة" مساءلةَ المحلّل لا المتّهم… معتمدا نوعا من التفكيك الباحث عن النتوءات والتضاريس في الفكرة المطروحة، حتى لا أقع في أَسْر المقولات التعميمية التي يكتوي بنارها الفكر العربي والإسلامي أيَّامَنا هذه…
فمن حقّنا أن نسأل في مقام أوّل:"عن أيّ نوع من الديمقراطية نتحدّث؟!"
لأن الديمقراطية –كما هو متعارف عليه في الفكر السياسي وفي واقع الممارسة السياسية- هي في الحقيقة ديمقراطيّات
ومن حقنا كذلك أن نسأل: "عن أي نوع من أنواع الربط بين الدين والسياسة تتحدث؟!"
لأن العلاقة بين الدين والسياسة كذلك علاقات
     فالدراسات الاجتماعية والسياسية والممارسات في الواقع… كلّها تقول بأن هناك أنواعا من الديمقراطيات بعدد الشعوب المطبّقة لها
فالديمقراطية الفرنسية تختلف عن الأمريكية، والأمريكية تختلف عن البريطانية، والبريطانية تختلف عن الهندية والهندية تختلف عن اليابانية…
ولكل واحدة من هذه الديمقراطيات مرجعيتها وفلسفتها، وإن اتّفقت كلها في ضرورة الفصل بين السلطات، وفي تحكيم الإرادة الشعبية، وفي حرية التعبير والتنظّم، وغيرها من النظم والآليات الديمقراطية علما بأنّ الدّيمقراطية حتى في أحدث الأدبيات لا تعرف تعريفا واحدا، لأنّ دارسي الديمقراطية وإقامتها عموما، يختارون بطريقة ضمنية أو صريحة واحدا من بين تعاريف أربعة رئيسية[1]:
-       التعاريف الدستورية (Constitutional): وهي مقاربة تركز على القوانين التي يسنّها نظام الحكم حول الأنشطة السياسية…
-       التعاريف الجوهرية (Substantive): وهي بلفظ آخر مقاربة الحقوق الأساسية، وتركز على الظروف الحياتية والسياسية التي يسعى نظام حكم ما إلى تعزيزها: مثل رخاء الناس، وحريتهم الفردية، وأمنهم، والعدالة بينهم، والمساواة بينهم، والمشاورات العامة لهم، والحل السلمي لنزاعاتهم…
-       التعاريف الإجرائية (Procedural): وهي مقاربة تنتصر لمجموعة ضيقة من الممارسات ذات العلاقة بالسلطة، ويحصر معظم دارسي هذه الإجراءات اهتمامهم في الانتخابات….
-       التعاريف ذات التوجه العملياتي (Process-oriented) وهي مقاربة تعيّن حدّا أدنى من العمليات التي يجب أن تعمل باستمرار لكي يمكن وصفها بالديمقراطية، وأهم هذه العمليات حسب "روبرت داهل"[2] (RobertDahl):
o     موظفون منتخبون.
o     انتخابات حرة وعادلة ومتكررة.
o     حرية التعبير.
o     مصادر بديلة للمعلومات.
o     حكم ذاتي جماعي.
o     مواطنة شاملة.
       ومن هذا المنطلق، فما المانع أن نبني لأنفسنا ديمقراطية تونسية (عربية) ذات مرجعية إسلامية تختلف عن الديمقراطية الفرنسية والأمريكية والبريطانية وإن اتفقت معها فيما هو قاسم مشترك بين كل الديمقراطيات من "عمليات" أو "إجراءات" وتكفل حرية التعبير، والتداول على السلطة، والانتخاب الحر والشفاف…
 
ثم إن الحديث عن علاقة الدين بالسياسة له أكثر من تجلّ:
·       فقد يعني أن يكون الحكم في الدولة بالحق الإلهي، أي أن الحاكم يستمدسلطانه من الله… وهذا لا يقول به أحد من المسلمين، خاصة في الثقافة السنية.
·       وقد يعني أن الدّين هو الذي يُحدّد وحده شكلَ الدولة ونظمَها وآلياتِ عملها وكلَّتفاصيلها الدقيقة ومكوّناتها… وهذا كذلك لا يكاد يقول به أحد من علماء المسلمين،لأن الإسلام لم يلزمنا بنظام سياسي نهائي وملزم… بل إنه في أغلب مجالات الحياة-إلا ما ندر- لا يعتني بالتفاصيل والجزئيات، احتراما للعقل البشري، واحتراما لحقالواقع، ولحق التاريخ والأجيال…
·       وقد يعني أن الدين هو الذي يُوفِّر المرجعية القيمية والفلسفية للمشروع السياسي، ويصبغه بصبغته… وهو الذي يُريده أغلب الذين ينادون في مجتمعاتنا بدولة ديمقراطية إسلامية الروح والمعنى، عربية اللغة والتعبير..
وهذا المعنى الأخير هو الذي يتحدث عنه كثير من المنظرين للفكر السياسي في تاريخنا العربي الإسلامي… وأستحضر في هذا السياق ماقاله "ابن عقيل": "السياسة ما كان فعلا يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول، ولا نزل به وحيٌ"[3]
وبهذا المعنى ترى ابن القيم وابن تيمية والشاطبي والقرافي وغيرهم ينادون في أكثر من مكان بأنه: "حيثما وجد العدل والحق، فثمّ شرع الله ودينه حتى ولو لم يدل على ذلك نص صريح من قرآن أو سنة"…
     لقد جرّبنا لعقود طويلة دولاً ادّعت "التقدمية" واتّبعت  "اللائكية" منهجا عمليّا، وعانينا منها كما لم يُعان أحد، لأنها اتّخذت هذه "اللائكية" آليةً لا لرعاية حق الناس في الاختلاف، بل اعتمدتها حجةً للتضييق على حريات الناس الدينية والشخصية… ولتجفيف منابع الإسلام والخصوصية الثقافية
    وإنّ مقتضى العدل في تقديري أن نُراجع هذه "المقولات الوافدة" بوضْعها في سياقها الذي أنتجها، حتى نقدر على وضع التصور المناسب لتنزيلها في واقعنا بالشكل الذي يتناسب معه، هذا إذا قدّرنا طبعا أننا في حاجة إليها… لأن مفكرين كُثْرا عُرِفوا بعقلانيتهم وأطروحاتهم الفلسفية الجريئة في نقد العقل العربي، ولكنهم لم يتورعوا أن يقولوا بكلّ وضوح: إنّ "العلمانية بمعنى فصل الدين عن الدولة غير ذات موضوع في الإسلام لأنه ليس فيه كنيسة حتى تفصل عن الدولة"[4].
        ويقول الجابري في موقع آخر مؤكدا المشروعية التاريخية للممارسة السياسية في المجتمع العربي الإسلامي: "أنا أرى أن الإسلام دنيا ودين، وأنه أقام دولةً منذ زمن الرسول، وأنّ هذه الدولة توطدت أركانها زمن أبي بكر وعمر، وإذن فالقول بأن الإسلام دين لا دولة هو في نظري قول يتجاهل التاريخ"[5].
ولا يبتعد الجابري في ذلك عما أقرّه مؤسس مقولة "العقد الاجتماعي" في المنظومة الثقافية الأوروبية، في كتابه "العقد الاجتماعي"، حيث أبدى "جان جاك روسو" إعجابا كبيرا بشخصية محمد صلى الله عليه وسلم واعتبره رمزا لرجل السياسة، علما بأنّ "روسو" هو الذي انتقد جميع النظم والقوانين، وأدان جميع أشكال السلطة وأوهام التقدم
يقول "روسو": "كانت وجهات نظر محمد عاقلةً جدّا، وقد أحكم جيّدا نظامه السياسي وإنّ استمرارية الحكومة التي أسّسها في ظل الخلفاء الذي أتوا بعده، يُعتبر نجاحا في حدّ ذاته لهذه الحكومة المحمّدية…"[6]
 
       وكمحاولة لممارسة شيء من التحليل والمقارنة السريعة بين ظاهرة "العلمنة" في تاريخ البشرية، وتجربة "العلمنة" في مجتمعاتنا، بما يتناسب مع هذا السياق طبعا أقول:
·       اضطهدت الكنيسةُ الغربيّين على مدى قرون طويلة… مما اضطرّهم إلى أن يُولّدوا "اللائكية" كحَلّ للفرار من وطأة هذا الاضطهاد… ولضمان الحرية الدينية
·       أما نحن، فقد اضطهدَتْنا "اللائكية" وضيّقَت علينا حرّيّتنا، واجتهدت في اجتثاثنا من جذورنا… فكان طبيعيا أن نبحث عن منهج أفضل، خاصة وأننا لم نعش قطُّ الأزمةَ ذاتها مع ديننا ومع المسجد في بلادنا
والأسئلة المنهجية التي تطرح نفسها ضرورةً:
1.   لماذا نريد الحلَّ ذاتَه لواقعين مختلفين؟
2.   ولماذا نتخلّص من الحضور الإيجابي لديننا والحال أنه لم يُمارس علينا على مدى تاريخنا تضييقا شخصيا أو فكريا؟
3.   ولماذا نجعل الحضور الدّيني واحدا… والحال أن له أكثر من مظهر وتجلّ؟
4.   ولماذا نحل مشكلاتنا دائما بالنظر إليها من خلال وعْي لم يتشكَّل في أرضها وظروفها؟
      وقد لخّص الجابري هذه الأزمة المنهجية في معالجة المشكل السياسي داخل المنظومة الثقافية والفكرية العربية الإسلامية قائلا: "يتضح مما تقدم إذن أن العوامل الأولى المحددة لثنائية الدين والدولة في المرجعية النهضوية العربية ثلاثة رئيسية: استلهام التجربة الدينية الأوروبية, مشكلة الطائفية الدينية, ربط النهضة بالفصل بين الدين والدولة, أي استلهام النهضة الأوروبية. وهذه العوامل الثلاثة تختلف اختلافاً كلياً عن تلك التي تحدد العلاقة بين الدين والدولة في المرجعية التراثية الإسلامية"[7].
 
      ورغم أن عبد المجيد الشرفي كاد يسلّم بهذا الاختلاف في "الخصائص" بين المجتمع الذي ولد "العَلمنةَ" وبين المجتمعات العربية التي نريد أن "نزرع" فيها العَلمنة، لأنّه -على حدّ تعبيره- "من غير الممكن أن نقدّم تفسيرات مقنعة انطلاقا من عوامل خارجية لا غير، إذ لا بدّ للبذرة من تربة ملائمة لتثبت وتنمو وتثمر، ولا بدّ لنجاح عملية الزرع من أن يكون للعضو المزروع والجسم المتقبّل خصائص مشتركة"[8]، ولكنه في الأخير اختار أن يذهب مذهبا آخرَ قوامه توفير الظروف الداخلية، أي داخل المجتمع العربي الإسلامي، والتي من شأنها أن تجعل عملية الزرع ناجحةً، لأنه "لو لم تكن المجتمعات العربية الإسلامية مهيّأة سلفا للعلمنة، لما كان لكل المؤثرات الغربية مجتمعة أن تنجح في تغييرها"[9].
     وفي مثل هذا الموقف تسليم -غير مفسّر منهجيا- بضرورة نقل "العلمنة" إلى مجتمعاتنا رغم أنها لم تُولد فيها، وكأن الأمر قدرٌ مقدور على المسلمين، وفيه ما لا يخفى من ممارسة الوصاية على الحقيقة وعلى المجتمع العربي الإسلامي في آن:
-       وصاية على الحقيقة لأنه يعتبر "العلمنة" حقيقةً جاهزة غير قابلة للمساءلة أو المراجعة لا بحكم الذّات، ولا بحكم السّياق الذي وُلدت فيه، ولا بحكم الواقع الجديد الذي نُريد أن نفرضها عليه ولو فرْضا مقنَّعا.
-       وصاية على المجتمع العربي الإسلامي الذي عجز أغلبه عن إدراك احتياجه إلى هذه "الحقيقة"، وأدركها الشرفي، ولذلك فهو يقترح مشروع "علمنة" تُحْجب عمليات الإسقاط فيه بغلالة رهيفة من البحث عن "الجذور الممكنة للعلمنة في تاريخ هذه المجتمعات بالذات وخاصة في الإسلام دين الأغلبية"[10]… لا لأن العلمنة وُلدت فيه طبيعة بإرادة داخلية من المجتمع ومنطق التاريخ والواقع، ولكن لأن الأستاذ عبد المجيد الشرفي رأى أن الوقت قد حان لكي تدخل العلمنةُ تاريخ المجتمعات العربية الإسلامية…
 
      ولا أقدر أن أُنهي هذه المناقشة الموجزة لمسألة علاقة الدين بالدولة، دون أن أُشير إلى ما اعتدنا سماعَه من الأسئلة المشروعة المتفرعة عن هذه القضية وأهمّها "أن الحرص على إسلام الدولة قد يتعارض مع كوننا في بلدنا خليطا من المسلمين وغيرهم… كما أن الحرص على عروبة الدولة قد يتعارض مع كوننا في بلدنا خليطا من العرب وغير العرب…"
     والإجابة التي ينطق بها التنظير والواقع في مجتمعاتنا العربية والإسلامية: "إننا نتحدث في بلادنا عن الإسلام الثقافي، وعن العروبة الثقافية واللسانية أكثر من الإسلام الديني والعروبة العرقية…"
     وعلى هذا الأساس كان المسيحيُّ ومازال يعتبر نفسه من هذه الثقافة الإسلامية رغم مسيحيته (وأحسن مثل على ذلك "عزمي بشارة" المفكر الفلسطيني من أصل مسيحي…)
     وعلى هذا الأساس كانت المواقف صريحةً في تحقيق العدالة الاجتماعية والقانونية بين أبناء الوطن الواحد باعتبار الانتماء للوطن، وباعتبار الحق المبدئي، لا باعتبار الدين أو العرق… ومن أظهر الأمثلة على ذلك قصة "القبطي" مع عمرو بن العاص، "فعن أنس أن رجلا من أهل مصر[11] أتى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين، عائِذ بك من الظلم.
 قال: عُذْتَ مُعاذا.
 قال: سابقتُ ابنَ عمرو بن العاص فسبقْته، فجعل يضربني بالسّوط ويقول: أنا ابن الأكرمين.
 فكتب عُمَر إلى عَمْرٍو يأمره بالقدوم ويَقْدُم بابنه معه فقَدِم.
 فقال عمر: أين المصريُّ؟ خُذِ السَّوط فاضْرب. فجعل يضربه بالسّوط ويقول عمر: اضرب ابنَ الأكرمين.
 قال أنس: فضرب، فَوَالله لقد ضربه ونحن نُحِبُّ ضربَه، فما أقْلع عنه حتى تمنَّيْنا أنّه يرفع عنه.
 ثم قال: عمر للمصريّ: ضع السَّوطَ على صلعة عمرو.
 فقال: يا أمير المؤمنين إنما ابنه الذي ضربني وقد استقدْت منه[12].
 فقال عمر لعمرو: مُذْ كَمْ تعبَّدْتُم النّاسَ وقد ولَدتهم أمّهاتُهم أحْرَارا؟
 قال: يا أمير المؤمنين لَمْ أعْلم ولَمْ يأتِني…"[13]
      ومن الأمثلة الكثيرة التي لا نكاد نسمع بها في تاريخنا الذي مُورست عليه عمليات تغييب مُمَنْهج أنّ "إسماعيل بن إسحاق القاضي[14] دخل إلى عندِه عبدونُ بن صاعد[15] الوزيرُ وكان نصرانيا، فقام له ورحّب به، فرأى إنكارَ الشّهود ومن حضره، فلما خرج قال لهم: قد علمتُ إنكارَكم، وقد قال الله تعالى: "لا ينْهاكم الله عن الذين لم يُقاتلوكم في الدّين ولم يُخرجوكم من دياركم أن تبرُّوهم وتُقسطوا إليهم" (الممتحنة: 8)، وهذا الرّجل يَقْضي حوائج المسلمين، وهو سَفِيرٌ بيْننا وبين المعتضد وهذا من البرّ."[16]
        وقد اجتهد في ترجمة هذا الوعي بعضُ العلماء في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، لما بدأت الملامح الأولى للنهضة العربية الإسلامية الحديثة، حيث يقول الشيخ التونسي أحمد بن الخوجة مستلهما معنى المواطنة من كثير من المواقف السياسية والاجتماعية في تاريخنا الإسلامي:
"إنّ إحضار طائفة من أهل ذمتنا في مجالسنا معشر المسلمين للمناضلة عن حقوقهم والتكلم في المصالح واستكشاف ما عندهم من الرأي، هذا بمجرده لا بأس به شرعا لأدلة منها:
-       إحضار النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي بن سلول واستشارته في واقعة أحد،
-       ومنها أنّ غاية أمرهم أن يجروا مجرى الوكلاء على بني نوعهم في التكلم في مصالحهم والمناضلة عن حقوقهم وأي مانع من ذلك؟ بل لهم المناضلة عن حقوق المسلمين والتكلم في مصالحهم، ففي الباب الأول من وكالة الهندية وإذا وكّل المسلم أو الذمي حربيا مستأمنا في دار الإسلام بخصومة أو ببيع أو غير ذلك جاز، كذا في الحاوي، وكذا رأيت في غيره من كتب الحنفية على شرط أن يدخل الوكيل تحت الأحكام ثمّ الإصغاء إلى شكيتهم وسماع ما يتعلّق بمصالحهم من مستتبعات عقد الذمة.
قال القرافي في الفرق 119 بعد أن نقل قوله صلى الله عليه وسلم: "استوصوا بالذمّة خيرا" أنّ عقد الذمّة يوجب حقوقا علينا لهم لأنهم في جوارنا وذمة الله وذمّة رسوله ودين الإسلام، فمن اعتدى عليهم ولو بكلمة سوء أو غيبة في عرض أحدهم أو نوع من أنواع الأذية أو أعان على ذلك فقد ضيّع ذمّة الله وذمّة رسوله ودين الإسلام."[17]
 
      وكذلك إخواننا البرابرة والأمازيغ يعتبرون أنفسهم عربا ثقافة ولغة… وهو ما يُصرّح به أكثر من مفكّر أمازيغي في الجزائر أو في المغرب
      علما بأننا في "تونس" خاصّة، لا نعيش لا المشكل العرقيَّ… ولا المشكلَ الدينيَّ فلماذا نفتعل المشاكل والعقبات حتى ولو اضطررنا إلى أن نستوردها من غيرنا… كأنّ الأهم عندنا هو أن يكون لنا منهج يُشبه منهج غيرنا، حتى ولو اضطُررنا إلى افتعال شروطه الاجتماعية والثقافية!؟
      علما بأن تجربة الدّولة في المجتمعات العربية والإسلامية على مدى تاريخها الطويل لم تعرف تضييقا على الحرية الدينية كما عرفته الدول الغربية… ولا عرفت تمييزا عنصريا مبنيا على أساس العرق…
     فبالنسبة إلى المعنى الأول، فإنّ أدلّتَه من التنظير والممارسة كثيرة، ويكفي في هذا السياق أن أضرب عليه مثلا بالعلماء والفلاسفة الأوروبيين واليهود الذين كانوا يجدون في الدولة المسلمة ملجأً من بطش الكنيسة وتعسُّفها في القرون الوسطى… ومن تلك الأمثلة: الفيلسوف اليهودي "ميمونيد" الذي هاجر منذ 500 سنة تقريبا إلى العالم الإسلامي لما ضَيَّقت عليه محاكمُ التفتيش في إسبانيا… أو الجاليات اليهودية التي فرّت في أربعينات القرن العشرين إلى الدّول العربية الإسلامية لما ضيقت عليهم ألمانيا النازية… ولم ترْفُق بهم أوروبا التي نريد دائما أن نأخذ منها الدرس ونستورد منها المناهج
     وبالنسبة إلى المعنى الثاني المتعلق بالعرق: فهو السّبب الذي يعطي لكل صاحب كفاءة المكانةَ التي تليق به داخل المجتمع الإسلامي رغم أنه غير عربي:
مثل "طارق بن زياد"البربري في المغرب،
و"صلاح الدين الأيوبي" الكردي في المشرق،
و"المازري" الصقلي وهو العالم الأكبر في المنستير،
و"جوهر" الصقلي القائد العسكري،
و"القرافي" البربري الصنهاجي الفقيه في مصر
        ولو رحت أضرب الأمثلة لما كفاني كتاب كامل حول هذه المظاهر التي تدلّ على أننا في جذور ثقافتنا عرفنا معنى الحرية وكثيرا من أصول العيش الديمقراطي التي أكبرها "أمارتيا صن" العالم الهندي الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد[18] وهو يقول:
"من أهمّ الشّارحين والممارسين لمعنى التّسامح مع التنوع في الهند، الإمبراطور المغولي العظيم "أكبر"[19]، الذي حكم ما بين عامي 1556 و1606، وقبل حقوق الإنسان بأنواعها المختلفة، بما في ذلك حرية الملكية وحرية الممارسة الدينية، وهي حريات لم يكن يسيرا التسامح معها في أوروبا في زمن "أكبر". نذكر على سبيل المثال أنّه بحلول عام 1000 هجرية، أو 1591-1592 ميلاديّة، أصدر "أكبر" قوانين عدّة مع حلول هذا المنعطف التاريخي، وركّزت هذه القوانين، من بين أمور أخرى، على التسامح الديني، بما في ذلك ما يلي:
"- لا يحق لأيّ امرئ التّدخّل في تفسير الدّين وإنّ من حقّ أيّ إنسان أن يعتنق الدّين الذي يرضاه.
-       إنّ هندوسيا إذا أُرغم في سنّ الطفولة أو غير ذلك، على أن يكون مسلما على غير إرادته فإنّ له الحقّ، إذا ارتضى ذلك، أن يرتدّ إلى دين آبائه"…
 وإنّ الفيلسوف اليهودي "مايمونيد" في القرن الثاني عشر اضطر إلى الهرب من أوروبا المتعصّبة (موطن بلاده) ومن اضطهادها لليهود إلى أمن وأمان حاضرة القاهرة المتسامحة، ليعيش في رعاية السلطان صلاح الدّين."[20]
      ونحن اليوم… وفي إطار هذه النهضة الجديدة التي يعرفها المجتمع العربي الإسلامي عموما، والتي بادرت إليها تونس الثورة… نقدر أن نقترح على العالم مشاريع سياسية متوازنة تعرف كيف تستفيد من كل الميراث الإنساني والتجارب الرائدة في المجال السياسي، مع إضفاء مسحة من الخصوصية المميزة التي تعطيها ألَقها ونكهتها التّونسية العربية الإسلامية
 فعلى قدر التميّز، على قدر ما تتعلق بك أبصار الآخرين وقلوبهم
وعلى قدر رعايتك لخصوصيتك… على قدر ما تكون حلولك التي ستسهم بها في تطوير الحياة الإنسانية أصيلة (أي على غير مثال سابق) ومبدعة
 
 

 


[1] انظر تيللي، تشارلز (2010)، الديمقراطية، بيروت: ص 22-25
[2]انظر:  Dahl, Robert A. (1998), On Democracy. New Haven: Yale University Press: 188-189
[3] ابن القيم (1995)، الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، بيروت: 11
[4] حوار المشرق والمغرب: 105
[5] المصدر نفسه: 101
[6]« Mohamed eut des vues très saines, il lia bien son système politique, et tant que la forme de son gouvernement subsista sous les califes ses successeurs, ce gouvernement fut exactement un et bon en cela. » (Rousseau, J.-Jacques (1994), du contrat social, (p. 137). cérès editions.)
 
[7] المصدر نفسه: 97
[8] عبد المجيد الشرفي: لبنات: 56
[9] المرجع نفسه
[10] المرجع نفسه
[11] رجل من أقباط مصر
[12] انتَقَمْتُ منه بمِثْل ما أَتَى.
[13] المتقي الهندي: كنز العمال: 12/873
[14] هو إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حمّاد الجهضمي الأزدي البصري ثم البغدادي المالكي، (200-282 هـ) من أعلام مذهب مالك بالعراق، قيل إنّه بلغ مرتبة الاجتهاد المطلق.
[15] هو عبدون بن صاعد بن مخلّد وزير للمعتضد العباسي وكان نصرانيا.
[16]الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد: 6/289
[17] أحمد بن الخوجة: في التسامح وأهل الذمة: جريدة الجوانب – السنة السادسة –
العدد الصادر في يوم الأربعاء 10 محرم سنة 1294، 24 جانفي 1877
[18]لست من قال هذا الكلام، ولا من ضرب هذا المثل، وإنما هو عالم الاقتصاد الهندي، والأستاذ بجامعة كمبريدج، الزميل الرئاسي للبنك الدولي عام 1996، والحائز على جائزة نوبل للعلوم الاقتصادية عام 1998، والذي شغل منصب الأمين العام لمعهد الدّراسات المتقدّمة في برنستون.
 
[19]لعلّه السلطان جلال الدين محمد أكبر سلطان هندستان، عاش في القرن الحادي عشر للهجرة، وقد مدحه الشيخ أبو الفيض بن المبارك الهندي (954-1004 هـ) في نظم بالفارسية. (كشف الظنون: 2/1978)
[20] أمارتيا صن: التنمية حرّية: 282-283

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : فكر | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “في العلاقة بين الدين والدولة…”

  1. مقالة أصيلة ومتينة

    بل هي متن في المسالة

    شكرا لك أستاذي الكريم



اكتب تعليــقك