Yahoo!

المشهد الإعلامي في تونس…

كتبهاد. رياض الجوّادي ، في 17 يناير 2012 الساعة: 11:42 ص

 

المشهد الإعلامي في تونس
حلفُ "الرّداءة" و"الفساد" و"الاستخفاف بالإرادة الشعبية"
 
كان العرب قديما يقولون للذي يُخسرُ الميزانَ في ثمرة سيّئة فيجمع بين السيئتين: سوء البضاعة وسوء الميزان…
"أَحَشَفا وسوءَ كِيلة؟"* (والحشف التمر الرّديء)
فماذا عساهم يقولون في إعلامنا اليوم وهو يجمع بين "الرداءة" و"الفساد" و"الاستخفاف بالإرادة الشعبية"؟
أظنّ أنّ المثلَ السّابقَ ما عاد قادرا على أن يعبّر عن هذه الظّاهرة الغريبة التي تَجْثُم على صدورنا أيّامنا هذه، حتّى لكأنّ الثَّورةَ أصابت كلّ شيء إلا الإعلام، فإّنها لم تبلُغه بعد، أو لعلّ الأصوبَ أن أقولَ: إنّ كثيرًا من إعلاميينا لم يبلغوا بعدُ القدرة على أن يَعُوا اللحظةَ التاريخية التي نحن فيها والتي جلَبَت من التغيير في الوعي والسلوك ما لم يقدر عليه قرنٌ كاملٌ من الألم والأمل، إلا سلوك كثير من الإعلاميّين فيظهر أنّه قد تكلّس إلى الحدّ الذي جعلَه مستعصيا حتّى على الوعي الذي أصاب كبدَ الحجارة ففتّتها فضلا عن أكباد الأمّهات الثَّكَالَى اللَّواتي رمَيْن أبناءَهنّ في رَحَى الموت ليعيشَ المجتمعُ لحظةَ صلح حقيقيّة مع كرامته ووعيه وحريّته…   
 
لقد خذلَ الإعلامُ (في تيّاره الغالب) الوطنَ أكثرَ من مرّة:
-       خذلَ الوطنَ مرّةً أُولَى لمّا ارتضى أن يكون بُوقًا للاستبداد، وحَلِيفًا إستراتيجيًّا له لضرْب كلِّ مقوّمات الهويَّة والإنسانية في الشخصية التونسية، وتَجفيف منابع القيم والأخلاق والتفكير داخل البلد. ولكنّ الأمر إذا احتدّ انقلب إلى الضدّ، ولذلك فقد آل الأمر بالإعلام إلى أن يفقد حينها كلَّ مصداقيته، وإلى أن يُصبح مبْعثَ السّخرية والاستخفاف داخل البلاد وخارجَها، بل كادَ يكون مثلا يُضرب بين الناس فيُقال: لن يكونَ أكثرَ سخافة من الإعلام التُّونسي!!!
 
-       وخذل الوطنَ مرّةً ثانيةً حينَ لم يقدر أن يأخذ المسافةَ ذاتها من الفرقاء جميعِهم رغم محاولةٍ لتحقيق التّوازن لم تطُل كثيرا، وسرعان ما أُجهضت ليَفتح الإعلامُ التونسيُّ منابرَه كلّها للوجوه نفسِها يعزفون سنفونية الوصاية على الحقيقة وعلى مكاسب المجتمع، والاستئثار بالحداثة والتقدّم والوعي… ومرّةً أخرى، يرتدُّ هذا الصّنيع المجافي للعدل على أصحابه، ويُثير في المواطن نفسَ مشاعرِ التقزّز من المناورات المفضوحة ومن الولاءات الضيّقة الضّاربة بِجذورها في أرض النظام السابق، والتي تُحاول أن تُورق من جديد بنفس آليات العهد السابق. وقد ترجم الشعبُ هذا التقزّز في صناديق الاقتراع رافضا كلّ أنواع الوصاية على مكاسب المجتمع ومكاسب المرأة باعتباره الضامن الوحيد لهذه المكاسب، ولا يحتاج إلى دروس من أحد، وهو الذي افتكّ زمام المبادرة من كلّ النخب، وأظهَرَ أنّه أكثرُ حيويّةً وأقدرُ على صناعةِ الحدث منها.
 
-       وأمّا المرّة الثالثة، فقد خذل الوطنَ بعد الانتخابات حين لم يُظهر احتراما كبيرا لاختيار الشّعب، ولم يُخْفِ استخفافَه بإرادته وهو يفرض عليه الصّوتَ ذاتَه الذي مَجَّه كوجبة دائمةٍ وعسيرةِ الهضم قبل الانتخابات، ليكونَ وجبةً "قَدَرًا" محتومًا بعد الانتخابات، فُرضت على المواطن قبل الثّورة بإرادة "الاستبداد السياسي"، وهي تُفرض اليومَ عليه بإرادة "الاستبداد الفكريّ" والإيديولوجي المهيمن على الإعلام قبل 14 جانفي وبعدها بِحُكم الحلف المبرَم بينه وبين النظام السابق، والذي لم يكن خافيًا على أحد.
 
والأسئلةُ الذي تطرح نفسها، على كلّ من لم يُسْلِم عقلَه لتلك الشعارات الدّعائية الزّائفة من "الحرية" و"المؤسسية" و"الاستقلال"، والتي مارسها الإعلام قبل الثورة "كثيرا" بما يجعلنا نشكّ في صدقيّتها "كثيرا" بعد الثّورة:
-       لِمَ لَمْ نَرَ إلى حدّ الآن إعلاما تُونسيّا يحتضن الثورةَ ولا يتخندق وراءَ خيارات حزبية انتهازية؟
-       لِمَ لَمْ نرَ إعلاما يعيش على قدْر إيقاع الإنجاز التاريخي الذي يصنعه وطننا بعيدا عن الحسابات السياسوية الضيّقة؟
-       لِمَ لَمْ نرَ إعلامًا يتفنّن في تنقية النفوس من شوك الخوف والإحباط، بقدر ما يزرع أرض الإنجازات بأشواك التشكيك والتبئيس والتيئيس حتّى قبل إقلاع قطار التغيير؟
 
-       هل يرجع ذلك إلى العادات السيئة التي تجذّرت في أعماق شخصية الإعلام التونسي حتّى لم يعد قادرا على التخلّص منها؟
-       أم أنّ الأمر يرجع إلى تبعيّة الإعلام إلى أصحاب النفوذ الماليّ كما تقول السيدة سهام بن سدرين؟
-       أم أنّه يرجع إلى استئثار الماسكين بزمام المرفق الإعلامي والذين ورثوا مواقعهم بالنظر إلى التحالف القديم بين النظام السابق وبعض التيارات الفكرية المعروفة، وعدم استعدادهم للتفريط في مصالحهم الشخصية والحزبية ولو على حساب الدّولة والشعب، لإيمانهم بأنّ هذا المرفق هو المعقل الأخير الذي يُمكن أن يُحقّقوا فيه بعضَ الانتصارات الموهومة على إرادة الشعب وخياراته؟
-       أم هي تعبير عن كون الإعلام هو آخر معاقل الفساد المستعصية على الإصلاح في الواقع التونسي الجديد؟
-       أم هي محاولة للتكفير عن خطيئة التبعية والخضوع للاستبداد واللاشرعية بخطيئة مناصبة العداء للشرعية والإرادة الشعبية مادامت لا تتوافق مع إرادتهم الحزبية؟
-       أم هي محاولة الظهور بمظهر الأبطال في مرحلة لم تعد البطولة تكلّف صاحبَها شيئًا؟
-       أمْ أنّ الإعلام لم يكنْ وطنيّا قبل الثورة لأنّه لم يحترم نفسَه وباعَها للمستبدّ، ولم يستطع أن يكون وطنيّا بعد الثّورة لأنّه لم يَحترم إرادةَ الشّعب وسار في ركب ولاءاتٍ قديمة متجدّدة؟
  مهما كانت الأسباب، فإنّ خيبةَ أمل كبيرة ستصيب كثيرين، لأنّ الثّورة وإرادةَ الشّعوبِ الواعيةِ لا تقف أمامَها حصونُ الزّيف والفساد. وإنّ عملياتِ التغيير ستطال المؤسساتِ جميعَها بما في ذلك المؤسسة الإعلامية التي كانت مستنقعَ فسادٍ في الأيام الخوالي، ولا أظنّ أنّ تلك المستنقعات انقلبت بقدرة قادر جِنانا من الموضوعية والديمقراطية والحرص على حقيقية!؟

 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* هذا المثلُ يُضرب للرجل الذي يجمع بين خصلتين ذميمتين.
   والحشف هو التمر الرّديء الذي ليس له نوى لشدة رداءته. وكِيلة مأخوذة من الكيل، وهي اسم هيئة مثل "جِلسة" و"قِعدة"…

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : خواطر, فكر | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

3 تعليق على “المشهد الإعلامي في تونس…”

  1. محمد الطاهر كريستو قال:

    أصبت كبد الحقيقة أخي رياض ، والواقع ان الأمر أصبح مكشوفا لكل ذي عينين أنّ الإعلام متواطئ مع الأقليات الفاشلة انتخابيا والتي لفظها الشعب التونسي الأبي ولم يعد لها ما تعرضه من أفكار ناضجة ومفيدة ومشاريع تساهم بها في البناء الديمقراطي ، وقد اختارت المعارضة للمعارضة لا المعارضة للبناء ، أصبحنا نحتاج اليوم أكثر من ذي قبل الى توحيد الجهود والعمل والوعي وتفويت الفرصة على المتآمرين على أمن الوطن وتقدمه

  2. بالوعي واليقظة والمبادرة تنتصر الشعوب على المؤامرات التي تحاك لها. والعاقبة للمتقين.

  3. مرحبا أخي محمد الطاهر: بزيارتك وبتعليقك الذي يعكس الوعي العالي الذي توسمته فيك دائما. فلتتضافر جهود الجميع من أجل خير البلد وأمنه. وفقنا الله وإياك لكلّ خير.



اكتب تعليــقك