Yahoo!

قراءة نقدية في سياسات تأويل النص الإسلامي…

كتبهاد. رياض الجوّادي ، في 26 ديسمبر 2011 الساعة: 23:34 م

 

 قراءة نقدية في سياسات تأويل النصّ الإسلامي

 
نحن بين نوعين سلبيَّيْن من التفكير المعاصر في التّشريع الإسلامي:
-         تفكير يسعى إلى خنق الإسلام وإلى حرمانه من مجاله الحيوي، حيث يَمنع عنه كلّ أشكال التطوير والتجديد بما يضمن فعاليَّته المستمرة، ويُحقّق مقولة صلاحيته لكل زمان ومكان في أرقى أشكالها العملية وأكثرها أصالةً (أقصد بها الجدّة، ولكن وفق منطقها لا منطق غيرها).
-         وتفكير يسعى إلى إفراغ الإسلام من كلّ مضمون، ويُؤَسّس لقراءات تأويلية لا ضوابط لها، بما يجعله تابِعًا لكلّ الأفكار والمقولات الحادثة، لاهِثًا وراءَ إرضاء الآخر حتّى ولو على حساب ثوابته ومقولاته الأساسية، حْقلا لكلّ التّجارب المنهجية حتّى تلك التي أظهرت إفلاسَها عند الآخرين.
وبعيدا عن هذه الرّوح التي تحكم هذين الموقفين الحدّيّيْن، يحترم الإسلام كلّ مجالات الحياة الإنسانية، وينظر إليها في كثير من التوازن، فهو يُوَحّد بينها من حيث ضرورةُ احترامها للبعد الأخلاقي الذي يميّز الإسلام كدين في كلّ منظوراته، ويفرّق بينها من حيث منهجُها وآلياتُ عملِها:
-        فإذا تعلق الأمر بالبحث العلمي في الكون والطبيعة، فالمرجع فيها إلى الخبرة والتّخصّص والسّنن والقوانين العلمية التي تحكم الكون، ولا حدّ للبحث فيها إلا العامل الأخلاقي مبدأً ومنتهًى من حيث احترام الحياة ورعاية البيئة والاستخدام الجيد لصالح الإنسان…
-        وإذا تعلق الأمر بالمسائل التعبّديّة، فإنّ الغالب عليها التسليم للنصوص، ولا يحضر القياس فيها إلا قليلا، ويكون هذا القياس غالبا فيما يتعلق بالمقادير والموازين وما شابهها من الأحكام الشكلية…
-        وإذا تعلّق الأمر بمسائل المعاملات من عقود وبيع وشراء وزروع، فإنّ المرجع في تنظيمها غالبا المصالحُ والمقاصدُ والقواعد الكلية، وتتسم أحكامها عموما بمعقوليتها وقابليتها للتعليل، وبالتالي تكثر فيها المقاييس وعمليات الاستصلاح والاستحسان..
وقد رسم القرآن الملامح الأساسية للسياسة التأويلية التي يقتضيها الإيمان من خلال عدد من الآيات منها قوله تعالى:
- "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا" (النساء: 59).
- "فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا" (النساء: 65).
- "وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا" (الأحزاب: 36).
- "هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ" (آل عمران: 7).
فللإيمان وفق هذه الآيات مقتضيان:
- مقتضى فكري تشريعي، وهو الرجوع إلى الله في كلّ ما هو من مجالات النزاع الفكري والاختلاف في التقديرات.
- مقتضى نفسي وجداني، وهو التسليم الكلي لله ورسوله…
                وإنّ الذين يتبعون في تعاملهم مع النصوص سياسةً تأويليةً فاسدةً قوامها اجتزاء النصوص من سياقها، أو اعتماد الضعيف منها دون موازنته بغيره، أو إسقاط الدلالات البعيدة عليها واستبعاد القريب منها دون مسوّغ وجيه من دلالات اللغة ولا مرجّح ظاهر من قواعد الشرع، إنّما يُحاولون الالتفاف على النصّ ودلالاته الراجحة بمقتضى فلسفة التشريع وروح اللغة وقواعدها وشواهد التاريخ وسيرته… فإن من أعجزه ردّ النص وأزعجته الدلالة بتبعاتها ومسؤولياتها، فليس أسهل عليه من أن يدافع على النصّ بعد أن يُجرّده من كل دلالة ثقيلةٍ فيها من التكليف ما لا يطيقه، ويذلك يضمن لنفسه الانتماء في الوقت الذي يُريح نفسه بما في التكليف من المشقة والعناء…
                وهيهات أن يكون انتماء حقيقي دون عناء… وهيهات أن يكون إيمان دون تسليم "فعلي" لله عزّ وجلّ قائم على محاولة تفهّم الحكمة من الحكم، ولكن مع التسليم لله حتّى ولو لم يُدرك الحكمة من كلّ حكم، لأنّ التسليم "بالحكمة" الكاملة لله الشارع مطلقا، تغني عن الحكمة الجزئية في حكم فرعي قد تغيب عنك الآن وهنا، وقد يُدركها غيرك في وقت ومكان آخرين، بل إنّ ما قد تظنّه نهاية "الحكمة" في تشريع ما، قد يكون بمرّ الأيام مجرّد وجه من وجوه الحكمة، ويكفي دليلا على ذلك بعض الأمثلة الواضحة لكل من ترك العناد وأسلم للحق:
-         لقد حرم الله الخمر لحكمة دلّ على بعضها في ذلك الزمان بما يتناسب مع القدر المعرفي المتوفر لهم، وتأبى حكمة الله إلا أن نكتشف مع مرور الزمن أبعادا أخرى لهذه الحكمة التشريعية نقدر اليوم أن ندركها بحكم تطور المعرفة البشرية، من ذلك ما أثبته تقرير المنظمة الصحية العالمية منذ أشهر أن الخمر هو أكبر قاتل للإنسان قبل الإيدز والمخدرات وغيرها…
-         والأمر نفسه يقال عن الربا، حيث كان السبب الأخلاقي لتحريمه واضحا في أذهان الناس حتّى في لحظة التشريع الأولى، ثم تَمرّ القرون متتالية، ويبدأ التشكيك في وجاهة تحريم الربا، وتطلع علينا الدعوات إلى اعتماده أساسا من أسس الاقتصاد التي لا مناص منها، وأن ما نظنّه شرًّا فيه إنما هو وهم من الأوهام التي خلفتها قرون "الرجعية"، وتأتي الإجابة مدوّيةً من مشرق الأرض ومغربها، وبلغة الاقتصاد ذاته، أزمة بعد أزمة تنادي في الناس أن اتركوا ما حرّم ربّكم، فلو كان فيه خير ما حرّمه عليكم، وقد كانت الدّراسات المتخصصة منذ مطلع القرن الماضي تتنبّأ بهذه النتيجة التي سيعود بها الربا وكل المعاملات غير المشروعة على الإنسان والاقتصاد، وكان الذين يسمعونها من المتشككين يقولون: "إنهم أناس يتطهرون" ولا ينسون لقب "الرجعيون"، ورغم كلّ الحقائق الواضحة بلغة الأيام والويلات والأزمات فإنهم لا يزالون يردّدون الألقاب ذاتها….
-         وليس بعيدا عن هذه الحقيقة مسألة العلاقات الجنسية غير الشرعية والزنا، لأنه "فاحشة وساء سبيلا"، وقد حاق بالبشرية السبيل السيئ الذي حذّر منه القرآن: أمراض خبيثة تفتك بالبشرية في كل مكان، ورغم ذلك فإنّ العفافَ مازال محلّ سخرية في مجتمعاتنا، ويتجرّأ من يعدّون أنفسهم أرباب التقدمية والحداثة في أوطاننا للمناداة بالقطع مع كلّ ما له علاقة بالعفاف لأنه رجعية، حتّى ولو كانت عواقبُه وخيمةً كما نرى ونعلم يقينا، بل إنّ بعض الذين يعدون أنفسهم رواد الحداثة في الفكر الإسلامي المعاصر ومالكي الرؤية الوفية لمنهجه، يشكّكون حتّى في تَحريم الفاحشة في أبشع صورها، وتسمعهم يقولون: إن القرآن لم يُحرّم الشذوذَ الجنسي وكل العلاقات الجنسية المثليّة، وإنما حرم الإكراه عليها فقط، ومثلهم من شكّك في تحريم الخمر لأن الله تعالى قال "اجتنبوه" ولم يقل "حرم عليكم"، ولا يعنيه بعد ذلك أنه قال: "رجس" "من عمل الشيطان"… وأنه سبيل إلى العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلاة، ولا يعنيه ذلك السؤال الإنكاري الذي توج الله به مسيرة التفسير للحكم فقال: "فهل أنتم منتهون"… كلّ ذلك وغيره مما ليس الآن مجال ذكره مفصّلا لم يدفع بهؤلاء الأذكياء الذي فهموا من النصوص التشريعية المحكمة ما لم يفهمه منه حتى النبي المرسل، وهؤلاء بهذه التأويلات المتكلفة خير مثال على ذلك الفكر الملتفّ على النص، والذي لا يتورّع عن أي نوع من التأويل حتّى ولو لُوِيت فيه أعناق النصوص ليّا، ماداموا يجدون من يسمع لهم، بل ومن يعتبرهم "المفكرين" بامتياز…
وصدق الله العظيم القائل:
- "ما يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ" (غافر: 4). 
- "إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ" (البقرة: 166)

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : فكر | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك