Yahoo!

منزلة الإنسان في التفكير الإسلامي…

 

لقد خضت لجة هذه المسألة باحثا عن الكُلّي في الجزئيّ وعن الموضوعي في الذاتي، وعن المطلق في النسبي، فإذا بي لست شيئا واحدا مما قرأت ولكني في كلّ شيء، وإذا الذي أحتاجه ليس أحدها، بل كلّ واحد منها، ولفت نظري اتفاقُ الأسلاف وهم يختلفون، يركبون متن الحقّ في اجتماعهم، وإن نَدَّ عن كلّ واحد منهم في تفرّقهم، ويُصدرون عن طبيعة الحق نفسه المنغمس في محيط من الشبهات التي لا يجليها إلاّ نارُ المخاصمة، ولا يكشفها إلا نور الاتهام للمنظور فيه وللنفس معا.
إن الفكر الإسلامي ضارب بجذوره في واقعه الذي نشأ فيه، متفاعل معه، يعتريه ما يعتري أيّ نتاج بشري من صنوف الاختلاف، وصروف المؤثرات، ولكن في إطار صبغة صبغته عقيدة التوحيد بها، فكانت قاسما مشتركا بين الجميع وأساسا لوحدتهم الثقافية.
وكان لا بدّ لي من عدّة أعتدّ بها في بحثي، فلم أجد خيرا من قول "عليّ": "إن الحقّ لا يُعرف بالرجال، ولكن اعرف الحقّ تعرف الرجال"، وكان لا بدّ لي من أنيس يدفع عنّي الوحشة، ويشدّ -في ما أرتاده- أزري، فلم أعثر على آنس من قول "المبرّد" في "كامله": "ليس لقدم العهد يقدّم القائل، ولا لحدثانه يُهتضم المصيب، ولكن يعطى كلّ ما يستحقّ". وهنا عزمت أن أترحّل، فرسمت لنفسي خطة جاءت معالمها كالتالي:
 
I - معالم التصور القرآني للإنسان:
II- الاستخلاف أو منزلة الإنسان في الكون:
 
 
 
 
 
معالم التصور القرآني للإنســـــــــــــــان
 
1- واقعية التكويـــــن:
يعتبر القرآن «واقع» الإنسان أصل حياته ومجالها، وأساس نمائها واستمرارها بمستوييها الجسدي والعقلي:
فأما "واقعية التكوين الجسدي"، فتتجلى في تأكيد القرآن على أصل التركيبة الإنسانية، ترسيخا لعمق اتصاله بهذا الواقع الذي يعيش فيه والذي خلق من أجله، لتمتين علاقته به، تمهيدا لتغييره والإضافة إليه. فالإنسان في القرآن مائي الأصل مصداقا لقوله تعالى:«والله خلق كل دابة من ماء». وهو في درجة ثانية ترابي التكوين والآيات في ذلك كثيرة منها قوله تعالى:«هو الذي خلقكم من تراب»، ورغم أننا لم نقصد بحث مدى علمية هذا التصور بقدر ما يهمنا كشف دلالاته ومراميه، فلا مانع من الإشارة إلى ما يؤكده البحث العلمي من المطابقة التامة بين تركيب الجسم البشري الكيمياوي وتركيب التراب. والإنسان في درجة ثالثة نباتي النشأة منه يتغذى وبه ينمو وفي ذلك يقول تعالى:«والله أنبتكم من الأرض نباتا». وهو في درجة رابعة حيواني الغرائز، وهو ما يكشفه قوله تعالى: «وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم»، وغني عن التذكير أن هذه المشابهة بين الإنسان وسائر الحيوان تكاد تكون تامة من حيث «الدوافع»، ولكنها تختلف إلى حد كبير من حيث «الاستجابة».
 
وأما "واقعية التكوين العقلي"، فتجليها «القابليات» الثلاث التي كشفها القرآن في هذا العقل ونوه بها كمظهر من مظاهر التميز الإنساني في هذا الكون: فأما الأولى فهي قابلية الإنسان للتعلم، وتؤكدها آيات كثيرة مثل قوله تعالى:«علم الإنسان ما لم يعلم» أو قوله: «وعلم آدم الأسماء كلها». وأما الثانية فهي قابليته للتعبير عن علمه، والتي كشفها الله في قوله: «خلق الإنسان علمه البيان». والثالثة قابلية علمه للنماء والزيادة بدون حد، يبينها قوله تعالى: «وقل رب زدني علما»، ويرفع عنها الحدود ويطلقها من كل قيد قوله تعالى: «وعلم آدم الأسماء كلها»، ويشحذها ويستفزها إلى المزيد قوله تعالى: «وما أوتيتم من العلم إلا قليلا». وأستغرب من الذين يعتبرون هذه الآية وأمثالها مثبطة للعزم الإنساني أو داعية لعدم المبالغة في الطلب تواضعا لله، وعلى هؤلاء وأولئك يرد مثل قوله تعالى: «قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون» وقوله «يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات»، وإذا وضعت هذه الآيات قبالة قوله: «وما أوتيتم من العلم إلا قليلا» فهمنا أن الله أراد من الإنسان أن يبحث ويتعلم، وألا يقنع بما حصل لأن الحقائق أكثر بكثير مما حصل وانتهى إليه. ولذلك قالوا قديما: «مازال الرجل عالما ما طلب العلم، فإذا قال علمتُ فقد جهل» لأن العلم نسبي وفي تطور مستمر، ومن وقف عند منتجات اليوم أصبح من الغد جاهلا، لأن الاكتفاء حكم على الذات بالتوقف والتخلف عن ركب المسيرة المعرفية، فمن اكتفى تجاوزته الأيام لأنّ ""العبد سائر لا واقف، فإما إلى فوق وإما إلى أسفل، إما إلى أمام وإما إلى وراء، وليس في الطبيعة ولا في الشريعة وقوف البتة"[1]
وهذه القابليات الثلاث في علاقة وثيقة مع الواقع لأنه هو الذي يضمن فاعليتها، وهو الذي يصبغها بصبغته، إذ الكفيل باستثمارها والاستفادة منها، تفاعل العقل مع العالم الخارجي عبر الحواس، وإليه أشار الله تعالى بقوله: «والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون»
 
2-تعدّد المقوّمـــــات:
"إن الإنسان في القرآن كما في واقع الحياة ليس ابن جسده فحسب، ولكنه ابن كلّ المقومات التي تجعل منه إنسانا"[2] فهو نتاج عملية تزاوج وقع بين طرف مادي هو الطين (تراب + ماء) وطرف معنوي هو الروح" إني خالق بشرا من طين، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين" فإذا الإنسان نسيج وحده بأبعاده المتعددة: المادية والروحية، الفردية والجماعية، الأخلاقية الخاصة والإنسانية…
 
والإنسان بهذه الأبعاد مخلوق متفرد، فكل تفسير له يلحقه بغيره من الكائنات لا يستقيم، سواء في ذلك من يفسره بالتفسير الحيواني، أو التفسير الميكانيكي، وهم الذين غلّبوا المادي فيه، أو يفسره بالتفسير الملائكي أو النوراني، وهم الذين غلبوا الروح فيه. وهو في حالته السوية يؤدي نشاطه الجثماني على طريقة الإنسان لا على طريقة الحيوان، ويؤدي نشاطه الروحاني على طريقة الإنسان كذلك لا على طريقة الملائكة، أي أنه يؤدي كلا نشاطيه "بكيانه المزدوج الموحّد" لا بأي عنصريه منفصلا عن الآخر ومستقلا عنه.
 
ويلاحظ أن معظم الدراسات حول الإنسان اصطبغت بصبغة الجزئية، إذ تصرّ على تفسير "الكل الإنساني" بالجزء الذي تسلط عليه الأنوار:
فإذا نظرنا في "مدرسة التحليل النفسي"، وجدنا "فرويد" يعتبر الدافع الحيوي للفرد هو الجنس، بينما يراه "أدلار" "الشعور بالتفوق في ناحية معينة إزاء الجماعة، ويعده "يونج" "الشعور بالنقص ومحاولة التعويض".
فإذا تجاوزناها إلى "المدرسة السلوكية، أخبرتنا بأن الإنسان مجموعة من العادات وردود الفعل الشرطية المنعكسة، (Conditionnedreflexes) التي تنميها البيئة أو لا تنميها، والتي لا يختلف بعضها عن بعض إلا باختلاف المؤثر.
ونقف على "المدرسة الميكانيكية" فإذا الحياة عندها -بما في ذلك الحياة الإنسانية- تشبه الجهاز الآلي المحكوم بضرورات الآلة، والذي تفسر نشاطه كلّه قوانين الطبيعة والكيمياء.
 
وأظن أن الإنسان هذا كلُّه وأكثرُ منه، ولكنه ليس أحدَها فقط، فكل مدرسة من هذه المدارس كانت تضع إصبعها على حقيقة جزئية في النفس الإنسانية قَمينة بأن تفيد في إلقاء بعض الضوء على أغوارها البعيدة. تلك النفس التي خلقها الله بسعة عظيمة هي مظهر من مظاهر القدرة التي وهبها للإنسان وهو يمنحه الخلافة في الأرض، وأعطاه موهبة الحياة على مستويات متعددة وفي اتجاهات مختلفة، ولذلك فهو يستشعر عددا لا يحصى من "مشاعر" الوجود، وقد أكثر من نقاط اتصاله بالحياة ليعمّق تفاعله معها، فإذا الإنسان ذلك الكائن "المزدوج الموحّد"، وخاطبه القرآن من خلال هذا الازدواج فجاءت معالجته للإنسان متسمة بسمتين رئيسيتين:
أ- الشمول، فلم تُقص أي بعد من أبعاده
ب- التوازن، فلم تُغلّب مقوّما على آخر، بل أعطت كُلاّ ما يناسبه.
كلّ ذلك في خطاب حواري طريف يأخذ بعين الاعتبار تلك العلاقة الطريفة بين الحياة والإنسان والتي "جعلت القرآن لا يقف من الإنسان بمعزل، ولا يقف منه وقوفا فوقيا ولكنه يقف معه ليحاوره باعتباره رسالة من السماء إلى الأرض، فلم تعد رسالة فوقية لأنها نزلت لأهل الأرض، والحوار أحد سبل الاتصال بأهل الأرض".[3]
 
 
 
الاستخــــــــــلاف أو منزلة الإنسان في الأرض
 
قال القرطبيّ: "لم يكن إخراج الله تعالى آدم من الجنة وإهباطه منها عقوبة له لأنه أهبطه بعد أن تاب عليه وقَبِل توبتَه، والصّحيح في إهباطه وسُكْناه في الأرض ما قد ظهر من الحكمة الأزلية في ذلك، وهي نشر نسله فيها ليكلّفهم ويمتحنهم ويُرَتّب على ذلك ثوابهم وعقابهم الأخروي إذ الجنة والنار ليستا بدار تكليف، فكانت تلك الأكلة سبب[4] إهباطه من الجنة، ولله أن يفعل ما يشاء، وقد قال: "إني جاعل في الأرض خليفة" (البقرة: 30) وهذه منقبة عظيمة وفضيلة كريمة شريفة مع أنه خُلق من الأرض"[5].
فالنزول إلى الأرض لم يكن عقوبة، بل هو "منقبة عظيمة" على حدّ تعبير القرطبي، والأكل من الشجرة كان سببا لهذا النزول. فإذا لم تكن هذه السببية سببيّة عقوبة، فما جهة السببية بين الأكل والنزول؟
إنّ بين الأكل والنزول إلى الأرض علاقة لا تخفى، وهي ليست علاقة عقوبة لأن الله قد تاب على آدم حتّى قبل نزوله إلى الأرض، فكيف يتوب عليه ثم يعاقبه. فليس بين المعصية والنزول ارتباط من جهة العقوبة كما هو سائد في عديد الثقافات الإنسانية، وإنما هو في المنظور الإسلامي ارتباط آخر من جهة أخرى هي أكبر وأجلّ. ارتباط من جهة خلق الإنسان للأرض وخلافة ربّه فيها. ارتباط من جهة (الاختيار، وتحمل المسؤولية، والاستغفار). لقد عرف آدم بعد الأكل من الشجرة أنّ طريقَه طريق محاولة، ومسيرتَه مسيرة خطأ وصواب، وأنه لا إصر عليه مادام لا يغفل عن طريق الاستغفار وتصحيح المسار. لكأني بالفترة الأولى التي قضاها آدم قريبا من ربه هي فترة تكوين (تدريب) حتّى يتعوّد الإنسان استعمال قدراته. وما الشيطان إلا أداة لشحذ روح التحدي لدى هذا الإنسان، إنه التحدي المصيري الأول الذي خلقه الله تعالى مفعِّلا للطاقات الكامنة في الإنسان، وهو الهاجس الذي سيدفع الإنسان إلى أن لا يضع عصا الترحال حتى يرجع إلى ربه، لأنه لا يصلحه السكون، ولا يُحرّك فيه الإبداعَ دوامُ الحال.
 
هذه دلالة أولى تستتبع دلالة حضارية ثانية أراها من الأهمية بمكان، لأنها تعطي السمة الرئيسية لمسيرة الإنسان في الأرض في التصور الإسلامي، إنها ليست مسيرة تكفير عن الخطيئة الأولى، فلا "تزر وازرة وزر أخرى" هذا إذا كان آدم قد أخطأ ولم يتب الله عليه، فما بالك وقد تاب الله عليه قبل أن ينزل إلى الأرض، وقبل أن تُولد ذريته. هذه الجهة السالبة من هذه السمة، يعني أنها ليست مسيرة تكفير عن الخطيئة. وأما الجهة الموجبة فهي السبب الطبيعي لانطلاق في الأرض والتاريخ يبدع ويعمر، كيف لا والإنسان يُختار من بين الخليقة كلها "خليفة" لربه في الأرض.
من البداية، كانت الغاية من خلق الإنسان خلافته لربه في الأرض. فللأرض خُلق تكريما واصطفاء، وإليها نزل تشريفا لا إهانة. وفيها عمل مسؤولية واستجابة لتكليف ربه، ولذلك يقول محمّد إقبال: "نرى أنّ قصة هبوط آدم كما جاءت في القرآن لا صلة لها بظهور الإنسان الأول على هذا الكوكب، وإنّما أريد بها بالأحرى بيان ارتقاء الإنسان من بدائية الشهوة الغريزية إلى الشعور بأنّ له نفسا حرة قادرة على الشكّ والعصيان. وليس يعني الهبوط أيّ فساد أخلاقيّ، بل هو انتقال الإنسان من الشعور البسيط إلى ظهور أول بارقة من بوارق الشعور بالنفس، هو نوع من اليقظة من حلم الطبيعة أحدثتها خفقة من الشعور بأنّ للإنسان صلة عليّة شخصية بوجوده."[6]
 
وفي ذلك بعض ما تنبئ به شهادة الله للإنسان عندما قال: "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ" (الإسراء: 70)
ولا يفوتني في هذا المقام أن أؤكّد على أنّ هذه الشهادة في التصور الإسلامي تنسحب على البشرية جمعاء دون تمييز أو عنصرية عرقية ولا حتّى دينية. إنها تكريم للإنسان بما هو إنسان… قال أبو السّعود: "ولقد كرمنا بني آدم" قاطبة تكريما شاملا لبرِّهم وفاجرهم…"[7] وقال البيضاوي: "إن خلق آدم وإكرامه وتفضيله على ملائكته بأن أمرهم بالسجود له إنعام يعم ذريته"[8]. وهذه النصوص وغيرها من كلمات الأسلاف دليل على أنّنا لا نتعسّف على فهم النصوص بما يلمّع صورتنا المعاصرة، ولا هي مجاملات أملتها ظروف اللحظة ورهانات الواقع الإنساني الجديد، بل هي مفاهيم وتصورات أصيلة كانت أساسا لتشكيل العقل الإسلامي الأول، وليس أدلّ على ذلك أنّك تجدها معاني عاديّة يعرب عنها أكثر من عالم من علماء الأسلاف منذ ما يزيد على ألف سنة أو أكثر أو أقلّ، يعربون عنها على سجيتهم دون تردّد ولا مواربة…
 
1- مفهوم الاستخلاف:
هي مهمة اختار الله لها الإنسان يوم أصدر ذلك الإعلان الكوني على مشهد من الملائكة فقال: "إنّي جاعل في الأرض خليفة" (البقرة: 30)، وهو عهد من الله للإنسان أن يعمّر الأرض ويقوم بشأنها، وينتفع بها. ومكّنه منها، وجعل له سلطانا عليها.
ويستنكف كثيرون أن يفسروا الخليفة بالنائب مناب الله القائم مقامه في الأرض حكما وفعلا وتغييرا، بحجة أن الخلافة لا تتحقق للخلف إلا بعد ذهاب السلف، وهذا ما لا يجوز على الخالق. وهذا التلازم المدّعَى غير ضروري، فإنا نقرأ قوله تعالى: "وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء" (الزمر: 74)، فنرى الله يورث عباده الجنة، فهل يلزم من ذلك موت المورِّث أو غيابه. كذلك الشأن بالنسبة إلى الخلافة، ينوب الإنسان ربّه دون غيابه أو خلوّ الأرض من سلطانه وإرادته، لأنّ الإنسان بعض إرادته. ويؤكّد هذا المعنى قوله تعالى: "يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض، فاحكم بين الناس بالحق" (ص: 26).
 
2-                   مؤهلات الخلافة:
ما كان الله ليستخلف الإنسان ويقيمه مقامه في عمل ناءت بحمله الجبال والسماوات والأرض، إلا لما زوّد به هذا الإنسان من خصائص ومميّزات رفعته عن مستوى يكون فيه "مجرّد مسرح للإبداع" إلى مستوى يجعله "منتِجا للإبداع"، ومن "مَظهَر لدقيق الصنع" إلى "مُظهِر لدقيق الصنع"، تجلّت في عقل "مطلق الإدراك" عبر رحلة التجدد الدائمة، وفي إرادة مطلقة التصرّف من خلال حتميات طبيعية راسخة، وفي "عمل" مطلق الإمكان متراكم الثمرات بمرور الزمان، وفي مقومات متنوعة هي جسور بين الإنسان ومحيطه، تتشكل مع الأيام أشكالا كثيرة، فكل حي من الأحياء المحسوسة والغيبية له استعداد محدود، وعلم إلهامي محدود، وعمل محدود، وما كان كذلك لا يصلح أن يكون خليفة عن الذي لا حد لعلمه و إرادته وأما الإنسان، فقد خلقه الله ضعيفا، ولكنه مع ضعفه يتصرف في الأقوياء، ومع جهله في نشأته يعلم جميع الأسماء، فالإنسان بهذه القوة غير محدود الاستعداد و لا الرغائب، ولا محدود العلم ولا محدود العمل "[9]
ولعلك تجد غرابة في إفاضة هذه "المطلقات" على إنسان لشدّ ما وُصم بالضعف، ولكني لا أجد أي تناقض بين الأمرين، مادام تواردهما على حالين مختلفين، فالإنسان محدود الطاقات كفرد، مطلقها كجنس، نسبي المعرفة في حقبة معينة مطلقها إذا توالت الحقب، واجتمعت التجربة إلى التجربة، وانضافت الخبرة إلى الخبرة، وتضافرت وشدّ بعضها بعضا لتقوم على سُوقها بناء متكاملا هو المطلق في توحده، النسبي في تجزئه، فيلتقي المقيد بالمطلق، ويتعانق النسبي والمجرد، لتصل المعرفة الإنسانية بعدها الأقصى في"رؤية الله" يوم القيامة. وأسوق مسألة الرؤية هذه بعيدا عن المزايدات المذهبية، لأقرأها قراءة وظيفية راسخة القدم في الواقع، إذ تمثل-حسب ظني- شهادة بأن الإنسان سيدرك كل شيء في الأرض من"المقيدات "، ذلك ما أفهمه من قوله: "وعلم آدم الأسماء كلها" (البقرة:31)، فتأتي"رؤية الله" في الآخرة تتويجا للرؤية "الأرضية" التي حصلها الإنسان بعد رحلة طويلة من البحث المتواصل عبر مسالك الخطأ والصواب.
 
3-                  دلالات الخلافة:
لا يخفى على ذي بصر ما يحمل مفهوم الخلافة بين طياته من معنى التكريم المقدم على بساط من المسؤولية: تكريم استشرفته الملائكة وهي تقول: "ونحن نسبح بحمدك وتقدس لك" (البقرة:30)، ومسؤولية عرضت على السماوات والأرض والجبال "فأبين أن يحملنها وأشفقن منها" (الأحزاب:72)، وقد أثبت القرآن حقيقة التكريم فقال: "ولقد كرمنا بني آدم" (الإسراء:70) ونطق بها حال الإنسان: من حيث تزويده "بمواهب الخلافة"، ومن حيث تسخير الكون له، مسرحا لإعمال تلك المواهب، ومجالا لعملية التغيير المرجوة، و"أرض الميعاد" للإبداع الإنساني المنتظر، "وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون" (الجاثية:12).
ويبلغ التكريم ذروته في سجود الملائكة، إذ هو يتضمن تفضيل المسجود له على الساجد، ومن ثم فالخلافة درجة وجودية عليا بين المخلوقات يؤكدها:
- الأمر بسجود الملائكة "وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم" (البقرة:34)
- استشراف الملائكة لهذا المركز استشرافا استبطنه قولهم: " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك" (البقرة:30).
- حقد إبليس على الإنسان ورفضه للسجود لئلا يقر له بالأفضلية، "إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين" (البقرة:34).
 
وأما المسؤولية، فلها مستويان:
مسؤولية مع "المستخلِف" هي العبودية، يؤسسها الوحي ويرعاها، وما الرسالات إلا صُوًى تنظم طريقها. وهذه العبودية بشتى أجزائها و مقوماتها قد صبغت بصبغة الحرية، وعليها انبنت، انطلاقا من الوحي الذي يؤسسها، وانتهاء بالجزاء الذي يتوجها. فالوحي اعتراف عملي بحرية هذا الإنسان المستخلف، يترسّخ ويتأكد بسمات الخطاب الإلهي في محاورته للعقل البشري من خلال الإدلاء بالحجة أو المطالبة بها، وتصل بعدها الأسنى في خطب ود الإنسان وتثمين رضاه "رضي الله عنهم ورضوا عنه" (البينة:8)، "فاذكروني أذكركم" (البقرة:152).
ومسؤولية مع "المستخلَف فيه" استثمار وتغييرا وتطويرا، يرعاها العلم، وتضمنها مقومات الإنسان المتعددة، تعطيه موهبة الحياة على مستويات مختلفة، وتمكنه من تذوق أنواع شتى من كؤوس الوجود ومشاربه، وتكثر من روابطه بالحياة تعميقا لدوره فيها تأثيرا وتأثرا. فالكون كتاب صفحاته الفعل الإنساني، وأجداث روحها عمله الذي لا ينقضي، لا يصلحه إلا التطوير والتغيير كالماء إذا ركد أسن، والإنسان وحده هو المؤهل لذلك بما اختص به من قابلية التغير والتغيير عبر عقل مستفيد وإرادة حرة منطلقة.
وكأني بهذا المعنى هو الذي عناه الله بإجابته عن سؤال الملائكة: " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء" (البقرة:30)، قال: "إني أعلم مالا تعلمون" (البقرة:30)، أعلم من قدرات الإنسان ما لا تدركون، وأراد إقامة الحجة فعلمه "الأسماء"، فجاء بما لا تستطيعه الملائكة، فأذعنوا لحكمة الله، وسلموا لهذا الإنسان بأحقيته بالخلافة فسجدوا.
ونختم هذا العنصر برصد بعض الدلالات وتقديمها في الجدول التالي تقريبا لجناها، ولا ندعي الإحاطة وإنما أردناها دليلا على غيرها:
من المستخلِف
من المستخلَف
التكريم
المؤهلات (التزويد بالمؤهلات)
التسخير
المسؤولية
الإعمال
الاستثمار
 
وقبل أن أختم هذه المسألة لا بدّ من الإشارة إلى مسألة لطيفة أثارها العقاد وهو يجمع بين معنيي الانتماء إلى النوع وإلى الدين فيقول:
"غرائز الإنسان النوعية واحدة في كلّ واحد من أفراد النوع وكلّ سلالة من سلالاته، ولكنه في الدين يختلف أكبر اختلاف لأنّه يتجه من الدين إلى غاية لا تنحصر في النوع ولا تتوقف على غرائزه دون غيرها، وليس الغرض منها حفظ النوع وكفى، بل تقرير مكانه في هذا الكون، أو في هذه الحياة:
-         فالإنسان يتعلّق من النوع بالحياة،
ولكنّه يتعلّق من الدّين بمعنى الحياة."[10]
 
4-تبعات الاستخلاف:
محور عملية الخلافة حسن تمثل صفات المستخلف، وذلك عبر مسيرة طويلة من التغير والتغير سعيا إلى الأكمل، يرحل فيها الإنسان من إبداع إلى إبداع، موقعا في التاريخ بأفعال لا يفتر عنها تجاوزا للقائم، لا يضع عصى الترحال بحثا عن الأمثل يحدوه قوله تعالى: "هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا، فامشوا في مناكبها وكلوا واشربوا من رزقه وإليه النشور".
فالخلافة صيرورة إنسانية لا تتوقف، تنهل من قاموس التغيير كـ" العمل"، و"البحث" و"الكشف" و" الاختراع"، وغيرها من أخواتها الكثيرات التي جافينها برهة من الزمن فجافانا التقدم، لما أشهرنا كلمات قاتلة مثل"ليس في الإمكان أبدع مما كان" أو "لم يترك الأول للأخر شيئا". فوقفنا، بل تراجعنا لأنه "لا ثبات" فإما حركة إلى الأمام وإما إلى الوراء، وشهد الزمان وكله عجب، رحلتين متضادتين في الاتجاه، واحدة متسارعة إلى الأمام على وقع القاطرة البخارية، فالطائرة، فالصاروخ بينما تهوي الأخرى إلى مجاهيل من التعطيل و التخلف، لولا بقية من الذين لم تصبهم تلك الشعارات بـ"العشى"، فراحوا يحاولون كبح جماح "رحلة التراجع" والتقليص من أضرارها، لينجحوا بعد لأي في تغيير وجهتها، وتنطلق عملية البناء. عملية لم تستلهم إلى الآن على الوجه الأمثل معنى الخلافة في الأرض، فحرموا القوة على "الاندفاع التاريخي".
وأعود إلى تعجب الملائكة من جعل الإنسان خليفة، ذلك التعجب الذي أخفى أمرا كتموه في أنفسهم ألا وهو أحقيتهم بالخلافة، وذلك لما ظنوا أن "مؤهل استحقاق" الخلافة وجوهرها يكمن في الإكثار من الذكر والتسبيح، وهم من هذه الناحية أجدر من الإنسان" ونحن نسبح بحمدك و نقدس لك"، فتأتيهم إجابة الله حاسمة أنه زوّد آدم بأساس فاق به الملائكة تمثل في قابليته "للعلم"، فكانت بذلك مسيرة علم، هو "تأشيرة" خلافته لربه.
ويلخص هذا المعنى قول الراغب الأصفهاني: "من تعطّل وتبطّل انسلخ من الإنسانية بل من الحيوانيّة وصار من جنس الموتى، وذاك أنّه خصّ الإنسان بالقوى الثلاث ليسعى في فضيلتها، فإنّ فضيلة القوة الشهوية تطالبه بالمكاسب التي تنمّيه، وفضيلة القوة الغضبية تطالبه بالمجاهدة التي تحميه، وفضيلة القوة الفكرية تطالبه بالعلم الذي يهديه… ولما جعل الله تعالى للحيوان قوة التحرك لم يجعل له رزقا إلا بسعي منه، وتأمل حال مريم عليها السلام وقد جعل لها من الرطب الجنى ما كفاها مؤونة الطلب، وفيه أعظم معجزة، فإنه لم يخلها من أن أمرها بهزّها فقال تعالى: "وهزّي إليك بجذع النخلة" (مريم: 25)"[11]
 
 
5-تجليات الخلافة
إن من أظهر ما يميز الإنسان عن الحيوان- رغم اتفاقهما في أكثر"الدوافع"- طرق "الاستجابة" لهذه الدوافع، إذ هي تختص عند الإنسان بأمور منها:
أ- تعدد الطرائق: فالإنسان لا يتخذ في تحقيق مبتغاه سلوكا واحدا، وإنما يختلف هذا السلوك من فرد إلى فرد، كما يختلف بالنسبة للفرد الواحد من حالة إلى حالة.
ب- التصنيع: فالإنسان لا يأخذ الأمور على حالتها الخام، وإنما يغيرها من فترة إلى فترة، ومن مكان إلى مكان.
واقتصرت على هذين الخاصيتين لما توحيان به من ضرورة تغير واقع الإنسان، مادام" يعدد طرائق "استجابته" ومادام "يُصنّع" و"يُغيّر" الأمور من حالتها الخام، وهذه الأفعال هي بعض تجليات "الإنسان الخليفة". "فقد ظهرت آثار الإنسان في هذه الخلافة على الأرض، ونحن نشاهد عجائب صنعه في المعدن والنبات، وفي البر والبحر والهواء، فهو يتقن ويبدع ويكتشف ويخترع ويجد ويعمل، حتى غير شكل الأرض. فجعل الحزن سهلا، والساحل خصبا، والخراب عمرانا، والبراري بحارا وخلجانا، وولد بالتلقيح أزواجا من النبات لم تكن، وقد تصرف في أبناء جنسه من أنواع الحيوان كما يشاء بضروب التربية أليس من حكمة الله الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى أن جعل الإنسان بهذه المواهب خليفته في الأرض: يقيم سننه، ويظهر عجائب صنعه"[12]



[1] مدارج السالكين: 1/267
[2] عبد الكريم غلاب: صراع المذهب والعقيدة: 36-37
[3] عبد الكريم غلاب: صراع العقيدة والمذهب: 36-37
[4] يعني سببا مباشرا، أمّا السبب العميق فهو واضح في ما سبق وما لحق من كلامه.
[5]القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: 1/ 352
[6]محمّد إقبال: تجديد التفكير الديني في الإسلام: 95
[7] تفسير أبي السعود: 5/ 186
[8] البيضاوي: أنوار التنزيل وأسرار التأويل: 1/277
 
[9] محمد رشيد رضا: تفسير المنار: 1/257-260
[10] عباس محمود العقاد: الفلسفة القرآنية: 11
[11]الراغب الأصفهاني: الذريعة إلى مكارم الشريعة: 201-202
[12]) محمد رشيد رضا: تفسير المنار: 1/257

4 تعليق على “منزلة الإنسان في التفكير الإسلامي…”

  1. [...] منزلة الإنسان في التفكير الإسلامي… [...]

  2. منير الزواري قال:

    أشكر لك هذا الجهد الّذي يراد منه الانتقال بالفرد من سلبيّة المفعول به إلى غيجابيّة الفاعل دوما نجد المتعة فيما تخطّ - اشير لك سيدي الكريم من باب التذكير فقط ان استحقاق الخلافة قائم على العلم اي قابليّة الاكتشاف و الفعل و ايضا في قوله تعالى ” اني اعلم ما لا تعلمون” مؤشّر آخر مبطّن دال غاب عن الملائكة متمثّلا في التّوافق بين كينونة الانسان و كينونة الطّبيعة اذ ان طبيعة الملائكة ” النّورانيّة” لا تؤهّلها للتّفاعل المراد مع طبيعة مغاير تستدعي ما يناسبها ملاحظة بسيطة و شكرا على سعة الصّدر استاذي الجليل.

  3. ملاحظة رائقة ودقيقة…
    أسعدتنا بزيارتك وتعليقك أخي الفاضل. ومرحبا بك وبمداخلاتك المضيفة في كلّ حين.

  4. 0000000000000



اكتب تعليــقك