على ضفاف الجدل القائم في العقود الأخيرة حول المدرسة والتربية والمتعلم والمعلم… وُلدت "مفاهيم جديدة" هي بمثابة الأواني التي تجتهد في استيعاب المعاني المتدفّقة داخل منظومات اجتماعية واقتصادية وسياسية في مجتمع إنساني يشهد حركية عجيبة.
وقد أردت وأنا المثقل بهَمِّ التربية والمنخرط في هواجسه أن أساهم في بناء الجسور بين ثقافتنا التربوية الوطنية وبين هذه الترسانة المفاهيمية التي لا أتصور عاقلا يسمع جلبتها دون أن تحدّثه نفسه بسَبْر أغوارها، تمهيدا لهضمها داخل خصوصيّاتنا الثقافية والاقتصادية، لتصبح رافدا إيجابيا وضروريا لمسيرتنا التربوية المتطلعة إلى مدرسة
والحقيقة أني قصدت في مقام أول وأنا أصوغ هذا الكتاب "زملائيَ" الذين يعايشون الممارسة التربوية آملين الأفضل، والذين تتقاطر عليهم المصطلحات الجديدة والمفاهيم الطارئة، فيتوجس منها الكثيرون خيفة لأنها غير مألوفة، أو لأنها وافدة من هناك أو من هنالك، أو لأنها غير واضحة المعالم مما يجعلها لدى الكثيرين "تشدّقا" لفظيا و"تفيْهقا" لا طائل من ورائه، وهي عندهم لا تختلف عن بعضها إلا بالأسماء، أما لو صُفّيت بمصفاة الجدوى والتميز، لكانت أغلبها أو كلّها متشابها، ولهوى ذلك الصّرح المفاهيمي الخُلّب وتهافت، وليس لردّات الفعل الانفعاليّة هذه ومثيلاتها –المشروعة أحيانا وغير المرشروعة أحيانا كثيرة- من دواء إلا محاولة "تحديد المفاهيم" والسعي إلى إرساء ثقافة تربوية ذات مواصفات خاصة تجعلها رحبة الصدر، بكل جديد بعد وضعه على محكّ الجدوى طبعا. فلا بدّ من كشف مواطن الطرافة في كلّ مفهوم يفرض نفسه على الساحة التربوية العالمية، حتى يتسم تعاملنا معه في رحاب مدرستنا، بل وفي غضون أقسامنا بعلمية تتجاوز الانطباعية والسذاجة والسطحية.
إن القبول بـ"الحادث" التربوي –كله أو بعضه- لا يعني النقض الكلي لرصيدنا التربوي السابق، ولا الاستغناء عن الزخم الكبير من التجارب التي تراكمت عبر الأيام، وإنما هو إقرار بالحاجة إلى بعض التعديل لتلك السيرة التربوية تعديلا يعتمد جملة من الموازنات يحكمها منطق "الأجدى" و"الأعدل" و"الأحكم" و"الأقل كلفة"، تلك المعاني والقيم التي طالما راودت مسيرة الإنسانية الحضارية والتي أخذت أبعادا جديدة ودشّنت آفاقا رحبة في هذه الحقبة المتميزة من تاريخ البشرية، حقبة نسجت خيوطها من مثل مفاهيم "الجودة" والإنتاجية" و"النجاعة" واستمدت روحها من ثورة "الاتصال" و"الافتراضي"…
فهل يتصور عاقل أن بعض الزحزحة في مفاهيمنا التربوية تكيّفا مع هذا الواقع الجديد مجاف للحكمة، مجانب للصواب؟
ولعل أوضح مثال على الحاجة إلى "التعديل" دون نقض أرصدتنا التربوية، هو ذلك الجدل القائم عندنا وعند غيرنا: هل نحتاج في مدرستنا إلى معارف واسعة أم إلى خبرة ومهارة تنفيذية، ويتعالى الصياح في نقاش غير ذي موضوع كأن العناية بأحدهما تعني التضحية بالآخر، والحقيقة أننا نحتاج إليهما في نطاق منطق "أولويات" يفرضه الحيّز الزمني المتاح للدرس. فهذا التوزع بين المعرفة والمهارة" وهذا النزاع الذي قد يكون سببه "المواقف الحدية" التي يلوح بها بعضهم، تفتعل صراعا وتُوقع في استيلاب لا ميّرر له، لأن الذي يرومه أنصار المقاربات الحديثة ليس تجاوز "المعرفة" وإنما إيلاء الوضعيات العملية والصعوبات التي يطرحها الواقع ما تستحقه من العناية لتصبح المعارف موردا هاما من موارد عملية التعلُّم ولكنها ليست كلّ العملية. لذلك قلت بأن القبول بهذا الجديد التربوي لا يعني حتما تصديعَ القديم، وإنما هو في كثير من الأحيان سعي إلى بعض التعديل بحثا عن الأنجع.
وهناك مشكلة أخرى قد يلوّح بها كثيرون ممن يتّهمون هذه المفاهيم الوافدة، وهي أن هذه المناهج الحادثة قد جرّدت المعلّم من كلّ شيء. والحقيقة أنه مع كلّ تصوّر تربوي جديد تولد للمعلّم مهامّ تربوية جديدة لا تقلّ خطورة وأهمّية عن سابقاتها، بل وتطلب منه مهارات مهنية متميزة تتجاوز المألوف، وأوضح مثال على ذلك أنّ دور المعلّم في كثير من المناهج التقليدية -المُحتفية أساسا بإيصال المعلومة-يكاد ينحصر في تلقين المعلومة، بينما يتغيّر في المناهج الحديثة ليأخذ أشكالا جديدة، لعلّ أهمّها:
1-بناء الوضعيات المناسبة لفصله، والمتدرجة وفق الصعوبات التي تطرحها،
2-تعديل سير نشاط تلاميذه،
3-صياغة روائز التقويم التكويني المناسبة للكفايات المراد تحقيقها، والمحدّدة لنوع التدخّل الذي على المعلّ/ أن يمارسه في سير نشاط تلاميذه.
فأنت ترى كيف أن أدوار المعلم لم تتراجع في الجملة إن لم نقل بأنها زادت، وإنما تغيرت في طبيعتها، من ناحية، وفي الحيز الزمني الذي تأخذه من الحصة، من ناحية ثانية. وإذا أردت أن أكون دقيقا فإنه يمكن تقسيم دور المعلّم داخل الحصة إلى نوعين:
-دورٍ مباشر يتمثل في الإجابة عن سؤال أو في المبادرة بسؤال، أو في طرح للمشكل، وهذه هي التي تنادي المناهج الحديثة بتقليصها لصالح نشاط المتعلّم،
-ودورٍ غيرِ مباشر لا يغيب لحظة عن الحصّة يتابع ويوجّه ويعدّل…
ولذلك فالأمر ليس كما يصوّره بعض الرافضين للمناهج الحديثة دفاعا عن أمجاد قد تُوَلِّي، ولا كما يصوّره على طرف النقيض بعض من "لم يفهم من القصيد إلا طالعه" من المتحمّسين في بعض السَّذاجة لهذه المناهج، والمردّدين لكوننا في زمن لم نعد فيه بحاجة إلى المعلّم. ليس الأمر كما يصوّره هؤلاء وهؤلاء بلغات مختلفة، بل هو أحكم من ذلك بكثير، فتغيير الدّور لا يعني نفيه، خاصة إذا كان هذا التغيير إلى الأدقّ والأعسر.
وألاحظ بأني لم أسلك في هذا الكتاب مسلك المعاجم اللغوية أو الاصطلاحية العادية، بل حاولت تجاوز مجرّد الجمع والعرض، إلى نوع من التحليل والتوجيه والتبسيط، بما يضفي بعض الحياة على المعاني الواردة فيه. لقد أردت عرض "المصطلحات" في حيويّتها، في حركيّتها، غير متهيّب من مساءلتها ومحاورتها، ببعضها أحيانا، وبما يعنّ لي من تعليقات أحيانا أخرى، محاولا الكشف عن الجهات الأخرى للنّظر أو التعبير أو الفهم.
ولأن المعجمية التربوية العربية حادثة، فقد وجدت نفسي أكثر من مرة متورّطا في مناقشة "المصطلحات" قبل "التعريفات"، مقارنا بين اختيارات التربويين والمعجميين العرب -مشرقا ومغربا- قدر الطاقة، ومناقشا لبعض التّرجمات التي كادت حَرْفيّتُها أن تئِد دلالاتها الحقيقية التي أُريدت لها، محتكما في كلّ ذلك إلى "المعنى". وقد أجترئ على توليد "مصطلحات" في القضايا الناشئة التي لم تطلها يدُ "المعجمية العربية" بعدُ ولكنّي أنصّ حينَها على أنّ الاصطلاح شخصيّ، اضطرّني إليه معاناة التّكوين (التدريب) والمحاضرة، والسعي الحثيث إلى "تبيئة" المعاني والمفاهيم.
كما أني –ولوعيي بخصائص القراءة في هذا الزمن- حاولت صياغة الأفكار في طريق وسط بين التأليف المسترسل، وبين الفِكَر المستقلّة في شكل رؤوس أقلام حتّى يتيسر على طالب الفكرة تبيّنُ حدودها وأبعادها. ولذلك رأيتني في كثير من الأحيان كأنّي أرسم معالم المفاهيم بأكثر من لون، مجتهدا قدر طاقتي أن أضمّ إلى صرامة المعرفة العلميّة، شيئا من يسر التعاطي والتعامل.
ولقد رجوت لهذا المؤلّف العمقَ في وضوح، والإيعاب في دقّة، مع شيء من الجدّة والطّرافة.. ورغم أنّي لم أُصب منها إلا القليل، فقد عزمت على إخراجه رغم ما أعلمه فيه من نقص عن مأمولي –فما بالك بالناظرين إليه غيري- لأني أعلم بأنّ المعرفة الحيّة هي في حالة صنع دائم، وهواجس الكمال إذا فاتت حدّها، أضحت معوّقا حتّى عن الحدّ الأدنى من الفعل والإنجاز، وإن اعتدلت كانت "مثيرا" إلى التعديل والمراجعة والنقد.
خلاصة القول، أني أردته كتابا يقف عند مفترق الطريق بين "التنظير" و"الممارسة العملية" في الفصل، يُلْهم المربِّيَ المعاني الواضحة حتى يتبيّن ما لم يعهدْه من المفاهيم، ولا أدعي له الإيعاب، فقد يفوته الكثير، بل الأكيد أنه قد فاته الكثير، ولكن ذلك لا يعيبه في شيء لأنه ما طرح على نفسه أن يكون جامعا، بقدر ما أراد أن يكون مساعدا، فضلا عن كون التنقيح المستمر كفيل بتطويره وتنمية طاقاته، فهو في حالة ولادة دائمة على قدر إيقاع "المعاني" و"المفاهيم" في زماننا.
وقبل أن أُنهي هذه المقدمة، أشير إلى أن طبيعة هذا الكتاب فرضت أن تكون قضاياه متنوّعة، يظهر لك في البداية بأنه لا رابط واضح يربط بينها، وهو أمر طبيعي لغلبة البعد المعجمي في شيء من الاستقصاء على البعد الهيكلي، ولكنّ ذلك لا يمنع من وجود عدد من الروابط الموضوعية بين كلّ هذه القضايا التي أضعها بين يديك أهمّها:
- أنّها مفاهيم حديثة فرضتها التطورات التي شهدتها علوم التربية وعلوم النفس على مدى القرن الماضي.
- أنّها مفاهيم عرفت رواجا كبيرا في خطابنا التربوي المعاصر، ودخلت إلى قاعات التدريب، وفي الفصول الجامعية، وفي قاعات المعلمين داخل المدارس.
- أنّها ذات تعلّق مباشر بأداء المعلم في الفصل، وبالعملية التعليمية عموما: إعدادا وتنفيذا وتقييما.
ونحن عازمون بإذن الله على أن نولي كلّ مفهوم من هذه المفاهيم الاهتمام اللازم في كتب منفردة، ولكن بنفس الروح التي انتصرنا لها في هذا الكتاب، أعني غلبة البعد العملي الإجرائي الذي يعني الممارس للعملية التعليمية، وعدم الإغراق في المسائل النظرية والأبعاد الفلسفية للقضايا المطروحة، فتلك محلها مؤلفات أخرى. وبذلك يكون هذا الكتاب فاتحة سلسلة من الأبحاث المنبثقة عنه، والتي بعضها قيد الطبع الآن، مثل "دليلك إلى التعليم بالمشروع". ونسأل الله أن يوفق في إتمام بقية السلسلة، علّنا نساهم في توطين المعارف التربوية بعد أن ثافنّاها برهة من الزمن، وحان الوقت أن نهضمها بوعي في منظوماتنا التربوية حتّى تدعم مسيرتنا الحضارية، وتُمدّها بكلّ ما أنجزه الفكر البشري من الحكمة. والله ولي التوفيق.
رياض الجوادي
الرياض في 22/01/1430
20/01/2009












ديسمبر 27th, 2010 at 6:33 م
جزاك الله خيراأخي على مجهوداتك الجبارة
نوفمبر 13th, 2011 at 7:20 ص
كيف الحصول على منشوراتك أخي رياض
نوفمبر 19th, 2011 at 8:53 ص
عفوا على التأخر في الإجابة، وأغلب الكتب التي أصدرتها إلى حد الآن تولتها دار كنوز إشبيلية للنشر بالرياض.
نوفمبر 19th, 2011 at 8:54 ص
لا يفوتني شكركم على المرور والقراءة والتعليق.
ديسمبر 9th, 2011 at 4:32 م
جزاك الله خير عمو رياض
يناير 23rd, 2012 at 8:09 ص
جازاك الله خير الجزاء على هذا الابداع والعمق الفكري والتربوي
يناير 23rd, 2012 at 12:42 م
- شكرا جزيلا عمّو، وزادك الله توفيقا.
يناير 23rd, 2012 at 12:45 م
مرحبا بك د. رضا ساسي.
شهادة أعتز بها. وفقني الله وإياك لما فيه خير الفكر والتربية.