د. رياض بن علي الجوّادي
لقد كانت مشكلات "المصطلح" تستثيرني مُذْ كنت بالجامعة، وكانت وقفاتي المستمرة التي تتطلبها معاناة البحث مع المعاجم تقرّب المسافة بيني وبين هذه المشكلات، حتى أخذت بعض القناعات تتبلور في ذهني وتتسرب مع الأيام إلى نفسي:
فقد وعيت أن "صناعة" المصطلحات علامة حضارية مهمّة تزدهر كلما ازدهرت ثقافة المجتمع وإمكانياته الحضارية، بل هي مؤشر حقيقي على مدى نضج ثقافة مجتمع أو تخلفها. ولست بحاجة إلى التذكير بأني لا أعني "الصناعة" والتوليد المجانيين أو الاعتباطيين، وإنما هي عمليات التوليد تلك التي تكون استجابة للولادة الحثيثة "للمعاني" في المجتمع. ولذلك وقف بعض أعلام الفكر منذ مدّة، كلّ في حضارته يراجع معوقاتها، فإذا به يثير مشكلة "المصطلحات" كعامل رئيس فيها: تفطن إلى ذلك "ليبنتز" لما شخّص قرب نهاية القرن 17 نواحي القصور الجدية في اللغة الألمانية التي كانت تبدو ضعيفة مقارنة بالفرنسية، وذلك لقصور معجمها فيما يتعلّق بالمصطلحات المجردة. وبعد حوالي 250 عاما أصدر "غاندي" حكما مشابها على اللغات الأدبية الكبيرة في الـهند، وأعلن بشكل خاص استهجانه لفقرها في "المصطلحات".
كما وعيت أن للمصطلحات حياة وموتا وظهورا وضمورا على قدر إيقاع "الأفكار". وأنها في تغيرها من زمان إلى زمان ومن ثقافة إلى ثقافة، بل من مكان إلى مكان داخل الثقافة الواحدة، قد تحدث قطيعة في مستوى الفكرة، وتمارس نوعا من الحجب السلبي عليها. وهو ما يدعو إلى طرح إشكالية الوعي بتاريخية المصطلح وإشكالية تبنيه في آن.
وليست هذه الدراسة الموجزة التي أنا بصددها، بالإطار الحقيقي والطبيعي لترجمة هذا الوعي وطرح هذه الإشكاليات، وإنما هي بعض صدى هذه المشكلات، سقتها في خواطر عنّت لي حول مشكلة "المصطلح" التي لم تكن قضية جديدة على الثقافة العربيّة الإسلامية، بل هي راسخة التقاليد فيه سواء في مستوى توليد المصطلحات المناسبة للمستجد من الوضعيات والأشياء والأفكار، أو في مستوى وضع الشروح والتعريفات على هذه المصطلحات المولدة. وهذا الوعي المصطلحي بدأ يوم خرج العقل الإسلامي من مرحلة البساطة إلى مرحلة التعقيد وذلك عبر أمور أساسيّة ثلاثة:
أوّلها، تشكل المذاهب الفقهيّة والعقدية، فقد فرضت هذه المذاهب جملة من المصطلحات قصد ضبط الأفكار والآراء وإيجاز سبل التعريف بها وتبليغها وأضحت هذه المصطلحات قاسما مشتركا بين المذاهب والمشارب، توحّد موارد الخواطر والمواقف، وتيسر سبل التواصل وتبادل الآراء.
ثانيها، استقلال العلوم عن بعضها البعض، وعلى ضفاف كل علم تراكمت مصطلحاته الجديدة المميزة له والمستمدة من طبيعته مقصدا ومنهجا.
ثالثها، التفاعل مع العلوم والمعارف الوافدة من الحضارات المجاورة بمصطلحاتها الغريبة عن التقاليد الفكرية العربية في ذلك الحين، والتأثر بالمنطق الأرسطي، وخاصة بالحد في صورته الأرسطية التي تفرض تصورّا خاصا للتعريف يقوم على الوفاء لماهية المعرّف من خلال الالتزام بصفاته الذاتية. وقد أثار هذا التصوّر ردود فعل مختلفة تراوحت بين الإنكار والإكبار، ولكنه نجح في الدفع بقضيّة المصطلح في الثقافة الإسلامية أشواطا.
تعريف المصطلح
ذكر الجرجاني للاصطلاح خمسة تعريفات:
1- اتفاق قوم على تسمية الشيء باسم ما ينقل عن وضعه الأول.
2- إخراج اللفظ من معنى لغوي إلى آخر لمناسبة بينهما.
3- اتفاق طائفة على وضع اللفظ بإزاء المعنى.
4- إخراج الشيء عن معنى لغوي إلى معنى آخر لبيان المراد.
5- لفظ معين بين قوم معينين.
- فالتعريفات الأول والثاني والرابع جعلت للمصطلح وضعا أوّل منقولا منه، ووضعا ثانيا منقولا إليه.
- ويثير التعريف الثاني عنصرا آخر من عناصر العملية الاصطلاحية، وهي "المناسبة" بين المعنى الأول والمعنى الثاني.
- بينما يطرح التعريف الثالث صيغة أخرى للاصطلاح، وهي التي تعمد إلى وضع أوّلي للمصطلح دون أن يكون له وجود سابق ضروري، وهو يشير إلى المصطلحات التي توضع عبر "التوليد" أو "التعريب"
- ويشترك كل من التعريف الأول والثالث والخامس في إبراز دور "الإطار" و"الاتفاق" في توليد المصطلحات من خلال إيراد كلمة "قوم" أو "طائفة".
ونخلص من خلال هذه الملاحظات إلى أن "الاصطلاح" معجم جديد ينشأ بين مجموعة من الأفراد ذات قواسم مشتركة، أو داخل علم أو كتاب معيّن. وهو نوعان:
الأول، نوع يوضع ابتداء وهو الأقل،
الثاني، نوع يوضع عن طريق عملية نقل من معنى أول إلى معنى ثان، ملاحظة وجود مناسبة بين كلا المعنيين. وهذا النوع الثاني هو الذي اصطلح المناطقة العرب على تسميته بالمنقول، لأن اللفظ عندهم على خمسة أقسام: فإما أن يكون معناه واحدا ويسمّى "المختصّ" وإما أن يكون متعدّدا، وما له معنى متعدّد أربعة أنواع: مشترك، ومنقول ومرتجل، وحقيقة، ومجاز، فهذه خمسة أقسام،
1– المختصّ: وهو اللفظ الذي ليس له إلاّ معنى واحد فاختص به، ونظرت في الأمثلة التي يضربها المناطقة عليه، فلم أجد واحدا يسلم من تعدد المعنى وخاصة بالمجاز، وأغراني المعرّب برهة ثم سرعان ما تبيّنت أنه لا يختلف في هذا المعنى عن غيره.
2- المشترك: وهو اللفظ الذي تعدد معناه وقد وضع للجميع كُلاّ على حِدة، ولكن من دون أن يسبق وضعه لبعضها على وضعه للآخر.
3- المنقول: وهو اللفظ الذي تعدّد، وقد وُضع للجميع كالمشترك، ولكن يفترق عنه بأن الوضعَ لأحدهما مسبوق بالوضع للآخر مع ملاحظة المناسبة بين المعنيين في الوضع اللاحق. ومثاله أكثر المنقولات في عرف الشرع والعلوم والفنون، وكثير من مصطلحات هذا العصر كالسيارة والمذياع والهاتف والطائرة…
والمنقول ينقسم إلى قسمين: " تعييني" و"تعيّني"، لأن النقل تارة يكون من ناقل مُعَيّن باختياره وقصده، كأكثر المنقولات في العلوم والفنون وهو المنقول "التعييني"، أي أن الوضع فيه بتعيين معيِّن.
وأخرى لا يكون بنقل ناقل معيّن باختياره، وإنما يستعمل جماعة من الناس اللفظَ في غير معناه الحقيقي لا يقصد الوضع له، ثم يكثر استعمالهم إيّاه، ويشتهر بينهم، حتى يتغلّب المعنى الجديد على اللفظ في أذهانهم، وهو المنقول "التعيُّني".
4- المرتجل: وهو كالمنقول بلا فرق، إلا أنه لم تلحظ فيه المناسبة بين المعنيين، ومنه أكثر الأعلام الشخصية.
5- الحقيقة والمجاز: وهو اللفظ الذي تعدّد معناه، ولكنه موضوع لأحد المعاني فقط، واستعمل في غيره لعلاقة ومناسبة بينه وبين المعنى الأول (الحقيقة) الموضوع له من دون أن يبلغ حد الوضع في المعنى الثاني (المجاز). ولذلك فإن المجاز يحتاج دائما إلى قرينة تصرف اللفظ عن المعنى الحقيقي وتعين المعنى المجازي.
الوعي بأهمية المصطلح في الثقافة العربية الإسلامية
لقد وعى المسلمون قديما أن كثيرا مما يقع من المنازعات في المسائل العلمية والمجادلات الفكرية سببه "الإجمال" في الألفاظ التي يستعملونها، مما يسبب اضطراب حبل التفاهم لعدم توارد خواطر المتحدثين على معنى واحد، وذهاب كل فرد إلى ما يختلج في خاطره من المعنى. وأحيانا تكون صورة المعنى غير مرسومة بوضوح في لوحة ذهنه، فيقنع –لتساهله أو لقصور ذهنه – بالصورة المضطربة ويبني عليها منطقا مهزوزا أو موقفا مهترئا. وقد يعمد المحنّكون في الجدل عن قصد إلى تخيّر العبارات المحتملة والفضفاضة التي لا حدود واضحة لها، يستغلون إبهامها ليجدوا مشروعية في النفوس كلّها، بعد أن يتركوا كلّ نفس تُفكّر في هذه العبارات بما عنّ لـها.
وهذا الوعي هو الذي حدا بالكثيرين إلى أن يُفرغوا "مفردات" مقاصدهم ومراداتهم في قالب سهل من التحديد أو الشرح، ويحفظوا ما يدور بخلدهم من المعنى "في آنية من الألفاظ وافية به لا تفيض عليها جوانبه" لينقلوه إلى ذهن السامع أو القارئ كما كان مخزونا في أذهانهم. وقد تُرجم هذا الوعي في استهلال كثيرين كتبهم بالتعريفات والحدود لتصبح كالمدخل لها، وهو ما فعله "الباجي" الفقيه والأصولي المالكي مرّتين على الأقل:
- مرّة في كتابة "إحكام الفصول في أحكام الأصول" لَمّا صاغ فصلا في بيان الحدود التي يحتاج إليها في معرفة الأصول[1].
- ومرّة ثانية في كتابة "المنهاج في ترتيب الحجاج" لما استهله بمحاولة لضبط المصطلحات وبيان حدود الألفاظ الدائرة بين المتناظرين[2].
وقد يتجاوز بعض العلماء تجديد مصطلحاته، فإذا أضحى كتابه مرجعا تشد رحال الفكر إليه من كلّ مكان، فإن تلاميذه أو بعض المعتنين بهذا الكتاب ينهضون بهذا العمل إذا وعوا الحجب التي أصبحت تمارسها المصطلحات على المعاني وأعاقت عن إدراكها، وربما أدّت أحيانا إلى فهم عكسي لما أريد بها، ومن أمثلة هذه المحاولات ما فعله "الرصاع" (ت894هـ / 1489م ) على مختصر ابن عرفة (ت 803 هـ) الفقهي، حيث أفرد تعريفاته ومصطلحاته بشرح واف في كتابة "الهداية الكافية الشافية لبيان حقائق الإمام ابن عرفة الوافية" والمعروف في الساحات العلمية بشرح حدود ابن عرفة. وقد أثار "الرصاع" إلى النهوض بهذا العمل الطريف ما شاهده من العناية المتميّزة والاحتفال الخاص اللذين أولاهما ابن عرفة بالمصطلحات والتعريفات، فأفرزا إضافة إلى المعجم الفقهي خصوصا والعربي عموما ووسعا من طاقته. وقد تحدث الشيخ الفاضل ابن عاشور عن جدوى عمل ابن عرفة هذا فقال: "إن هذا العمل قد كان معينا على ضبط المصطلحات الفقهية بتعيين معانيها وإقرار أسمائها وتكوين ملكة التصرف فيها والتوليد منها، كما كان مدخلا لألفاظ كثيرة استعملت في التعاريف، فراجت في اصطلاح الفقهاء مثل "الصفة الحكمية" و"المكايسة" و"التمليك" و"الإعطاء" و"المنفعة" و"ذي المنفعة"".[3]
ويبقى التجلي الأوضح لترجمة هذا الوعي العربي بأهمية المصطلح، التأليفات الخاصة التي أفردها عدد من العلماء لهذا النوع من المعارف، وقد مرّ معنا منهم الجرجاني (819هـ) في كتابه "التعريفات"، ومنهم أبو نصر الفارابي (هـ) في كتابه "إحصاء العلوم"، والتهانوي (1158هـ) في "كشاف اصطلاحات الفنون". والخوارزمي (380هـ) في كتابه "مفاتيح العلوم" وقد صرّح بوضوح في مقدمة كتابه بدواعي تأليفه له، مترجما أهمية المصطلح كمدخل لدراسة العلوم فقال: "…دعتني نفسي إلى تصنيف كتاب باسمه النابه أعلاه الله، يكون جامعا لمفاتيح العلوم وأوائل الصناعات، متضمنا ما بين كلّ طبقة من العلماء من المواضعات والاصطلاحات التي خلت منها أو من جلّها الكتب الحاصرة لعلم اللغة، حتّى إنّ اللغوي المبرز في الأدب، إذا تأمّل كتابا من الكتب التي صُنّفت في أبواب العلوم والحكمة، ولم يكن شدا[4] صدرا من تلك الصناعة، لم يفهم شيئا منها، وكان كالأمي الأغتم[5] عند نظره فيه."[6]
وقد ضرب الخوارزمي نماذج ثلاثة لهذه المصطلحات التي تختلف دلالاتها من مجال معرفيّ إلى آخرن وهذه المواضعات التي لا بدّ أن تؤخذ بعين الاعتبار في تحديد دلالات النصوص، والسياق هو الحاكم عليها بطبيعة الحال:
- النموذج الأول: لفظة الرّجعة: فإنها عند أصحاب اللغة المرة الواحدة من الرجوع لا يكادون يعرفون غيرها، وعند المتكلمين ما يوعمه بعض الشيعة من رجوع الإمام بعد موته أو غيبته، وعند الكتاب حساب يرفعه المعطي في العسكر لطمع واحد، وعند المنجمين سير الكواكب من الخمسة المتحيّرة على خلاف نَضَد البروج.
- النموذج الثاني: لفظة الفك: فإنّها عند أصحاب اللغة والفقهاء مصدر فكّ الأسير أو الرهن أو الرقبة. وأحد الفكين هما اللحيان. وعند أصحاب العروض إخراج جنس من الشعر من جنس آخر تجمعهما دائرة. وعند الكتاب تصحيح اسم المرتزِق في الجريدة بعد أن كان وُضع عنها.
- النموذج الثالث: لفظة الوتد: فإنها عند اللغويين والمفسرين أحد أوتاد البيت أو الجبل من قوله تعالى: والجبال أوتادا" (النبأ: 7). وعند أصحاب العروض ثلاثة أحرف: اثنان متحركان وثالث ساكن. وعند المنجمين أحد الأوتاد الأربعة[7]التي هي الطالع والغارب ووسط السماء ووتد الأرض.
الوعي بنسبية المصطلح
إن التصريح ببحث مصطلحات تتعلق بكتاب مُعيّن أو بشخصية معيّنة، أو بعلم أو جانب معرفي معين، ترجمة عملية عن وعي الذهنية العربية الإسلامية بنسبية المصطلحات وضرورة اختلافها، ومن ثم ضرورة ربطها بواقع وإطار نشأتها حتى لا تُعطَى أكثر مما تحتمله من المعنى أو تُحرم ما تستحق. وهذا المعنى يستفزني إلى الإشارة إلى ما أظنه خطأ منهجيا لَـمَّا نتحدث في دروسنا أو كتاباتنا عن المفهوم اللغوي للكلمة ثم نُردفه بالبحث عن المفهوم الاصطلاحي مُجرَّدا من كل قيد يوحي بالوعي بهذه النسبية ويُحِيل على المجال الذي يبحث في إطاره هذا المصطلح، إلاّ إذا كنا نعتبر –واعين – أن السياق هو الكفيل بكشف نوع الاصطلاح، وإن كنت أظنّه غير كاف في أغلب الأحيان لما يُكرّسه مع الأيام من وعي مغلوط بآحادية جهة المصطلح.
ولتوضيح معنى الوعي بنسبية المصطلح سأضرب جملة من الأمثلة من خلال مستويين لهذه النسبية:
- نسبية المصطلح بحسب الفنون والمجالات المعرفية
- نسبية المصطلح بحسب الشخصية والكتب والمذاهب
vالمستوى الأوّل: نسبية المصطلح بحسب الفنون والمجالات المعرفية. وقد عبرت عنه بوضوح المعاجم المتخصّصة في مجال معرفي معين كالمعجم الصوفي الذي ألفه ابن عربي. كما عبرت عنه عديد المواقف النقدية التي تسلط على المصطلحات في أكثر من كتاب، خاصة إذا كان هذا المصطلح مما يوقع في اللبس والخلط والمواقف المتجنية على الحقيقة، من ذلك ما قاله "الحطاب" في شرحه على ورقات "الجويني" وهو يقصد إلى التفريق بين "النص" بمفهومه الأصولي و"النص" بمفهومه الفقهي فيقول بأنّ النصّ "عند الأصوليين ما لا يحتمل إلا معنى واحدا، وقيل ما تأويله تنزيله" [8]، أي أن معناه يتبادر إلى الذهن من ظاهر لفظه ولا يحتاج إلى تأويل، بينما يطلق النص عند الفقهاء على "ما دل على حكم شرعي من كتاب أو سنة سواء كانت دلالته نصا أو ظاهرا " [9]، وعدم التفريق بين هذين المعنيين أوقع الكثير من المتأخرين وحتى المعاصرين في خلط كبير وخاصة في تعاملهم مع قاعدة "لا اجتهاد مع النص" فحملوا النص في القاعدة على مطلق الدليل الشرعي، فضيقوا واسعا، وناقضوا ما تجزم به ممارسات الأسلاف الاجتهادية من زمن الصحابة، وقد قصد به المقعدون للقاعدة ما لا يحتمل إلاّ معنى واحدا.
وفي السياق ذاته طرح "ابن تيمية" مسألة اصطلاحية في علم الحديث أوقعت في موقف ديني غريب ينسب إلى "أحمد بن حنبل"، فقد اشتهر عنه قوله: "الحديث الضعيف أحب إلى من الرأي" ولا يرتضي "ابن تيمية" حمل هذا الموقف على ظاهره ويعزي الخلط واللبس إلى عدم الوعي "بالإطار الاصطلاحي" الذي قيلت فيه هذه الكلمات فيقول في تحليل مطول في كتابه منهاج السنة: "وأما نحن فقولنا إن الحديث الضعيف خير من الرأي، ليس المراد به الضعيف المتروك، لكن المراد به الحسن، كحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وحديث إبراهيم الهجري وأمثالهما ممن يُحَسِّن الترمذي حديثَه أو يُصحّحه، وكان الحديثُ في اصطلاح مَنْ قَبْل التّرمذي إما صحيح، وإما ضعيف، والضعيف نوعان: ضعيف متروك، وضعيف ليس بمتروك، فتكلّم أئمة الحديث بذلك الاصطلاح، فجاء من لا يعرف إلا اصطلاح الترمذي، فسمع قول بعض الأئمة: "الحديث الضعيف أحبّ إليّ من القياس" فظن أنه يحتج بالحديث الذي يُضعّفه مثل الترمذي…" [10] .
وهذا الكلام هو الأنسب مع ما قاله أبو الوفاء علي بن عقيل وأبو سعيد البرداني إماما المذهب الحنبلي ونقله عنهما ابن العربي من أن أحمد بن حنبل "كان يروي أن ضعيف الأثر كالعدم لا يوجب حكما، والنظر أصل من أصول الشريعة عليه عوّل السلفُ ومنه قامت الأحكام وبه فصل بين الحلال والحرام" [11]
vالمستوى الثاني: نسبية المصطلح بحسب الشخصيات والكتب والمذاهب، وتجلياته كثيرة ومن أمثلته كتاب "كشف النقاب الحاجب من مصطلح ابن الحاجب" لابن فرحون (ت799هـ ) وهو في أصله مقدمة للشرح الذي صاغه ابن فرحون على مختصر ابن الحاجب (ت646هـ) الفقهي الموسوم بـ "تسهيل المهمات في شرح جامع الأمهات" ثم استخلصه ابن فرحون وجعله كتابا مستقلا باقتراح من ابن عرفة لما زاره في المدينة واطلع على مؤلفاته ومنها الشرح المذكور.[12] وكلام ابن فرحون في مقدمة كتابة يعكس الوعي بخصوصية المصطلح ونسبته حيث قال : "… سألني أن أفرد مقدمة الشرح الذي قيدته على جامع الأمهات… لاشتمالها على مصطلح المؤلف في كتابه" [13]
ويعتبر شرح حدود ابن عرفة المذكور آنفا تجليا آخر لهذا الوعي، فقد عبّر الرصاع عن بعض غايته من وضع هذا الشرح، معتبرا إياه عونا للناظر في كتاب ابن عرفة "على تحصيل فهم رسومه وأكثر شروطه وضوابطه" [14]
وفي هذا الإطار تحضرني مشكلة قد يقع فيها بعض رواد الفكر العربي المعاصر، حيث يغفل بعضهم عن هذا النوع من النسبية ويتناسون خصوصية كلّ مذهب في مصطلحاته، فيُحكّمون إرادة تصوراتهم ليختاروا من خلالها ما يناسب البنية الفكرية التي أسّسوها من الواقع والتاريخ، ويَغضّون الطّرف عما يُمكن أن يهزها. وهم بذلك ينسفون جزءا هاما من الحقّ لأنه لا يستجيب للحقيقة التي يريد هذا المفكر أن يؤسسها. ولذلك فإني على قدر إيماني بأن تحميل المصطلحات ما لا تحتمل تزييفٌ للحقيقة، فإن حرمانَ المصطلح ما يحتمله تزييف للواقع والتاريخ. ومن الأمثلة التي تحضرني بقوة في هذا الإطار موقف "الجابري" من "الاستحسان" كمصطلح أصولي تعددت معانيه بتعدد المذاهب والمشارب، ولكن الجابري يختار له من التعريف ما يجعله نوعا من القياس حتى تكتمل صورة العقل الإسلامي القياسي كما أرادها، وحتى لا يشذ مفهوم عن هذه البنية التي جعلها قدرا على الوعي العربي مقدورا.
ولو أُعطي هذا المصطلح حقَّه وحُكّمت المنظوراتُ المذهبية المختلفة بعدل دون تعسف أو إكراه، لكان الاستحسان – وخاصة في التصور المالكي منه وعلى ما حقّقه ابن العربي وابن رشد والشاطبي وتنطق به ممارسات مالك الاجتهادية – مُصدّعا لبنية العقل العربي كما أرادها الجابري. ومن حقّك أن تتساءل هل يكفي منهج تشريعي واحد مهما تميز ليقلب موازين "العقلية العربية" كما صوّرها الجابري، وهي التي صاغها من أغلب المناهج والمصادر التشريعية. وإني لأقول أنه على فرض التسليم بشذوذ هذا المنهج في مقابلة عناصر وأركان الفكر الاجتهادي الأخرى، فإنه لوحده كاف لإثارة الرجة الداعية إلى إعادة النظر في المسألة لأنه ليس منهجا عاديا، بل هو "تسعة أعشار العلم" على حد تعبير مالك [15]، وهو منهج استُجلب للحدّ من غلوّ القياس، وكيف يكون القياس جوهر المناهج الاجتهادية الإسلامية وهذه تصريحاتهم من ذلك الزمان تقول بأن الاستحسان استُنبط كمنهج ليحُدّ من الإغراق في القياس لأن المغرق في القياس – كما جاء عن مالك – يكاد يُفارق السّنة.[16] وقد أوقع في هذا الوهم عدمُ التّفريق بين الاستحسان في الاصطلاح الحنفي والاستحسان في الاصطلاح المالكي. وأخشى أن أسترسل مع المسألة فأخرج عن مقصود هذه الدّراسة، وإنما أوردت المثل لتتبيّن ما يُمكن أن تمارسَه المصطلحات – إذا لم تراع في نسبيّتها – من حجب على الحقيقة، سواء أكانت هذه الحجب مقصودة أم غير مقصودة.
الوعي بنسبية الفهم للمصطلح
أثيرت هذه المسألة في ذهني لما كنت أُصدم في أكثر من مرة وأنا أبحث متلهّفا عن معنى واضح لاسم استشكلته أو لشيء لم أتبيّنه، فإذا إجابة المعجم بأنه معروف. والخطأ نفسه يعترضني وأنا أتعامل مع بعض المجلات الشرقية فإذا بهم يستعملون مصطلحات مما تعوّدوا تداوله وخاصة فيما يتعلق بأسماء بعض النباتات أو الأشجار أو التوابل أو الفواكه، ثم تردف بأنها معروفة، غافلا عن معنى نسبيّة الفهم لهذا الاسم أو المصطلح غير مستحضر أن ما كان معروفا للمشرقي، قد يكون مبهما كل الإبهام للمغربي، فمارس علي منطق الحجب دون قصد. ومن الطّريف أن أجد ابن عرفة مستوعبا – بمعنى ما – هذه النسبية، حيث لا يرتضي لشيخه ابن عبد السلام أكثر من مرة التسليم بمعرفة الأشياء بما يحمل على ترك تعريفها، فما يكون معروفا لك قد يكون لُغْزًا لي، وما يكون معروفا في هذا الجيل قد يُضْحِي مجهولا للجيل الآخر، بل إن ما تظنُّ نفسَك عارفا به، قد تكون واهما بأنّك تعرفه. ومن أمثلة هذا الرفض توقّفه عند قول شيخه بأن "حقيقة القرض معلومة للعامة فضلا عن الخاصة"[17] معلّلا ذلك بأن ما هو معروف من حيث وجودُه ضرورةً، يحتاج إلى التوضيح من حيث كونُه معقولا، أي أنّ الوجودَ الفعليَّ للشيء لا يُغْني عن وجوده النظري بصياغة تُقرِّبه إلى الأذهان.
المصطلح المؤشر
إذا كان المصطلح في حالات كثيرة يمارس عملية الحجب عن إدراك الحقيقة أو الواقع، فإنه في الحالات السوية، وعند من يملك قدرات تحليلية متميزة يصبح مؤشرا على الحقائق والمواقف والاختيارات لأن استعمال مصطلح دون آخر اختيار قد يستبطن موقفا، وتعمّد استعمال مصطلح معيّن في سياق معيّن دون غيره تعبير ضمني عن رأي أو تصوّر، ومن طريف ما رأيته في هذا المجال ما وقع من ابن المنير وهو الناقد اللاذع للزمخشري في كشافه رغم اعترافه له بالفضل والبراعة في أكثر من موطن من "الانتصاف"، حيث لاحظ أن الزمخشري لا يترك فرصة للدعاية إلى مذهبه الاعتزالي تصريحا أو تلميحا إلا وانتهزها، من ذلك أن الزمخشري لما تكلم عن قوله تعالى: "وجعلوا لله شركاء قل سموهم، أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض أم ظاهر من القول…" (الرعد : 33) وختم تفسيره للآية بقوله: "وهذا الاحتجاج وأساليبه العجيبة التي ورد عليها، مناد على نفسه بلسان طلق ذلق: أنه ليس من كلام البشر لمن عرف وأنصف من نفسه، فتبارك الله أحسن الخالقين" لما قال الزمخشري هذه المقالة، لم يتركها ابن المنير تمر دون أن يُنبّه على ما فيها فقال: "هذه الخاتمة كلمة حق أراد بها باطلا، لأنه يعرّض فيها بخلق القرآن"[18].
هذه القراءة من ابن المنير لها ما يبررها ويجعلها سهلة الاستساغة، فشخصية الزمخشري لا تمنعها، والسياق يرجحها. ولذلك أعتبر أن مثل هذه القراءات لدلالات المصطلح، ودلالات اختيار المصطلح مشروع جدّا، لولا أنه لا تتوفر له في مناسبات أخرى نفس الشروط التي تهيئ لاستساغته والتسليم له بسهولة، فينقلب إلى تأويل "مستكره".
ويحضرني مثلا على هذا المنحى التعسفي انطلاق محمد عمارة من قول ابن جني في مقدمة كتابه الخصائص: "الحمد لله الواحد العدل القديم…"[19]، ليعتبره إعلانا عن التزامه الفكري بمذهب الاعتزال لأنه اختار مصطلحات قد لا تلفت نظر البعض بينما هي إشارة إلى أهم أصول المعتزلة في التوحيد والعدل.[20] وظني أنه تخريج لا يخلو من مبالغة ومسحة الاحتمال غالبة عليه.
مشكلات التعريف:
قديما قال المناطقة العرب: "إن الحكم على الشيء فرع تصوره"، وقال الزمخشري في مقدمة أساس البلاغة أن من ركب متن عمياء أوشك أن يخبط خبط عشواء، وهي كلمات تكشف وعي المسلمين بأهمية التعريفات ودور المعاجم الإصلاحية في خدمة المعرفة، وهو ما حرك الكثيرين إلى صياغة كتب في المجال كالتعريفات للجرجاني وكشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي. غير أن هذه التجربة لم تخل من المعوقات، وقد أحال بعض ما سبق على بعض هذه المعوقات، ومن المعوقات التي لم تثر في السابق ظاهرة التعقيد التي غلبت على تعريفات كثيرة، وفي تصوري أن هذا التعقيد يرجع إلى سببين أساسيين:
v السبب الأوّل : غلبة إرادة الاختصار على قصد الإفهام والتوضيح، فقد أُغرم كثيرٌ من المعرفين بالإيجاز إلى درجة الإغلاق، وهم يعترفون بهذا القصد إلى الإيجاز في أكثر من موطن، من ذلك ما قاله "الرصاع" كاشفا منهج ابن عرفة في صياغة تعاريفه: "جرت عادته المحافظة على قوة الاختصار"[21]، وقال مرة أخرى: "إنه يحافظ على تمام الاختصار"[22]، ومن غريب الأمور أن المعرّفين أنفسهم كانوا ضحية اختصارهم المخِلّ، فقد توقف ابن عرفة في فهم "بعضه يُبعّض بتبْعيضه" لما أراد أن يشرحها لتلاميذه بعد أن صاغها في تعريف الإجارة[23]، وقد أخبر ابن الحاجب بأنه كان يتوقف في بعض ما كان يجمعه في مختصره[24].
v السبب الثاني: الخضوع لسلطان "الحد" بالمعنى الأرسطي الداعي إلى التزام تعريف الأشياء بما يدل على ماهيتها عبر "الجنس" و "الفصل" أو "الخاصة"، وهو ما أوقع في تكلف كبير ذهب ضحيته "الوضوح"، وذلك ما دفع ابن تيمية إلى أن يُعلن حملته الشعواء على الحد الأرسطي وملتزميه، داعيا إلى تخير التعريفات التي تمكّن من فصل وتمييز المعرَّف عن غيره دون إتعاب الذهن في تتبع صفاته الذاتية[25]، لأن الاطلاع على حقائق الأشياء وفصولها من الأمور المتعذرة إن لم تكن مستحيلة.
ولما كان القصد من التعريف هو الإفهام، وكلما كانت سبيل الإفهام أقرب إلى الذهن وأخف على النفس، كان إدراك المعنى المنشود أسرع وأعمق، فإني أقترح جملة من المناهج التعريفية البديلة، من ذلك مثلا:
- التعريف بالمثال
- التعريف من خلال الطريقة الاستقرائية، وهي فرع عن التعريف بالمثال، وحقيقتها أن يكثر المؤلف أو المدرس من ذكر الأمثلة والتمرينات قبل سوق التعريف ليستنبط المتلقي بنفسه المفهوم الكلّي أو القاعدة.
- التعريف بالتشبيه، وهو نوع ينفع كثيرا في المعقولات الصرفة، والمجرّدات، وذلك بتقريبها إلى الأذهان عبر تشبيهها بالمحسوسات.
- التعريف بالقسمة، وذلك بإرجاع المفهوم الكلي إلى جزئياته المكوّنة له، فيحصل في ذهن التلميذ تصوّر للكلي مركّب من تصوّراته للجزئيات.
- التعريف بالنفي والإثبات، وهو منهج طريف رأيته موضّحا في كتاب "غياث الأمم في التياث الظلم" للجويني، حيث ساق عليه مثلا طريفا فيما يتعذّر الإتيان فيه بلفظ جامع مانع، ويعسر ضبطه ضبط التخصيص والتنصيص، وأنقل إليك المثل كلّه كما ورد في كتابه المذكور آنفا ونتبعه ببعض التعليق على حسب ما يقتضيه المقام. قال الجويني:
"فإذا تقرر قطعا أن المرعى الحاجة فالحاجة لفظة مبهمة لا يضبط فيها قول والمقدار الذي بان أن الضرورة وخوف الروح ليس مشروطا فيما نحن فيه كما يشترط في تفاصيل الشرع في الآحاد في اباحة الميتة وطعام الغير وليس من الممكن أن ناتي بعبارة عن الحاجة نضبطها ضبط التخصيص والتنقيص حتى تتميز تميز المسميات والمللقبات بكر اسمائها والقابها ولكن اقصى اقصى الإمكان في ذلك من البيان تقريب وحسن ترتيب ينبه على الغرض فنقول:
لسنا نعني بالحاجة تتشوق الناس إلى الطعام وتشوفها اليه فرب مشتهى لشيء لا يضره الانعكاف عنه فلا معتبر بالتشهي والتشوف فالمرعي إذا دفع الضرار واستمرار الناس على ما يقيم قواهم وربما يستبان الشيء بذكر نقيضه. ومما يضطر محاول البيان اليه انه قد يتمكن من التنصيص على ما يبغيه بعبارة رشيقة تشعر بالحقيقة والحد الذي يميز المحدود عما عداه وربما لا يصادف عبارة ناصة فينقضي الحالة أن يقتطع عما يريد يميزه ما ليس نفيا واثباتا فلا يزال يلقط اطراف الكلام ويطويها حتى يفضي بالتفصيل إلى الغرض المقصود وهذا سبيلنا فيما دفعنا اليه فقد ذكرنا الحاجة وهي مبهمة فاقتطعنا من الابهام التشوف والتشهي المحض من غير فرض ضرار الانعكاف عن الطعام قد لا يستعقب ضعفا ووهنا حاجزا عن التقليب في الحال ولكن إذا تكرر الصبر على ذلك الحد من الجوع اورث ضعفا فلا نكلف هذا الضرب من الامتناع ويتحصل من مجموع ما نفينا واثبتنا أن الناس يأخذون ما لو تركوه لتضرروا في الحال أو في المال والضرار الذي ذكرناه في ادراج الكلام عينيا به ما يتوقع منه فساد البنية أو ضعف يصد عن التصرف والتقلب في امور المعاش."[26]
هذا المبحث يتّصل بالمبحث السابق ويُبنى عليه، ويهمني فيه بالأساس التقسيم الأول والثالث:
ويعنيني في الأول المصطلحات الخارجية أو المصطلحات الأدوات، فهي تعكس إلى حدّ كبير قدرة الأستاذ على الانفتاح على محيطه الفكري والمعرفي، ونجاحه في الارتفاع إلى مستوى عصره والاستفادة من المتوفر فيه من المعاجم الجديدة التي تُحدث تغييرا نوعيا في خطابه لتجعله أوثق اتصالا بزمانه، ولتهيئ تلاميذه لمعايشة زملائهم بكفاءة واقتدار. فهي مسؤولية تاريخية وحضارية تدعونا إلى مراجعة سلوكاتنا التربوية والنظر فيما إذا كانت تعكس حقيقة أننا قد "عرفنا زماننا" وأننا نشدنا "الحكمة أنا وجدناها لأننا أحق بها".
ويعنيني في التقسيم الثالث المصطلحات الوسائل، والتي تساق لقصد الإفهام والتبليغ والتعليم، فقديما قال أسلافنا من الأصوليين بأن الوسيلة إذا لم تحقّق غايتها، أو عادت عليها بالنقض، تُجُووِزت، ولا أظنّ أحدا يجادل في أن كثيرا من المصطلحات الفقهية الوسائل لم تعد تنهض بأهدافها، ولذلك فالحكمة تقتضي أن نتخير لدرسنا من المصطلحات الوسائل ما هو أجدر بغاية الإفهام، وأولى بإيصال التلاميذ إلى الحقيقة الشرعية. ولا يعني ذلك البتة أن نرمي مصطلحاتنا الموروثة خلف ظهورنا، بل تحضر في دروسنا مع مرادفها من المصطلحات الجديدة، حتى لا تصنع قطيعة بين التلميذ وبين المعرفة العلمية إذا أراد الإطّلاع عليها يوما في مظانها.
والملاحظ أن هذا الأمر يكاد ينحصر في دروس العبادات: في تحديد المسافات مثلا (من استعمال "البريد" إلى استعمال الـ"كم")، أو في تحديد المكاييل في الزكاة (من استعمال "الوسق" إلى استعمال الـ"كغ").
وعموما، فإننا نرى أن بعض الدروس التي عجز أصحابها عن تحيين خطابهم، تضحي باهتة، لم يبث الزمن فيها روحه فيعطيها من حيويته. بل إن الأخطر من ذلك أنها تصنع أحد شخصين : شخصا في قطيعة مع واقعه لأنه لم يملك أدواته وعجز عن فهم لغته، وإدراك تحدّياته. أو شخصا في قطيعة مع دينه لأنه افتُعلت أمامه حواجز مصطلحية وتصوراتيّه منعته من إدراك حقيقته وتبيّن مواطن الجمال فيه.
توحيد المصطلح
تساهم جملة من العوامل في جعل التواصل بين الباث والمتقبل مضطربا، وظني أن الجهاز المفاهيمي من أهم أسباب ذلك الاضطراب. إذ أن كلا منهما سيُصدر من عُدّته الإصلاحية التي تعوّد عليها مما سيثير كثيرا من الخلط في ذهن التلميذ، وسيصل به في عديد المواقف إلى الحيرة والاضطراب لأنه سيجد "المصطلحات" في غير السياق الذي تعود عليه، خاصة إذا لم يكن للأستاذ من النضج المنهجي ما يجعله متفطنا إلى مثل هذه المحاذير.
وأعتقد أن المخرج من هذه المشكلة يكمن إلى حد كبير في توحيد مصطلحات المادة الواحدة وتقليص المسافة بينها قدر الإمكان، حتى تجنب التلميذ الاضطراب والتذبذب في التعامل مع الخطابات المختلفة من أستاذ إلى أستاذ.
ويزداد هذا النهج التوحيدي إلحاحا إذا أخذنا بعين الاعتبار الامتحانات الوطنية التي تستوجب أن تكون المصطلحات الرئيسية للمادة قاسما مشتركا بين الأساتذة والتلاميذ على النطاق الوطني، حتى نجتنب المحاذير الممكنة في فهم التلميذ للسؤال، وفي تقويم الأستاذ لإجابة التلميذ.
ويبقى أن تبين بعض السبل المؤدية إلى توحيد المصطلح والتي منها:
أ- التعريف بالمصطلحات المترادفة في الفكر الإسلامي ومحاولة استيعابها في القضية الواحدة كأن نجعل التلميذ يدرك بأن المستحبّ مرادف للمندوب.
ب - إعطاء الأولوية للمصطلحات التي أقرتها البرامج الرسمية إضافة إلى التي وردت في الكتاب المدرسي سواء في النصوص أو في الجهاز البيداغوجي.
ج- تأسيس معجم جديد للمادة يحتضن مصطلحات المادة ويوفر مرجعا مفاهيمها موحّدا للجميع.
تبيئة المصطلح
تشهد الحضارة الإنسانية حركية عجيبة في توليد المصطلحات في مختلف مجالات المعرفة، وما هذه الحركية التوليدية إلا محاولة لمتابعة واستيعاب الولادة الحثيثة للمعاني المستجدة، ونأسف أن نقول بأن مساهماتنا في الإنتاج العالمي للمصطلحات لا تكاد تُذكر، ولا غرابة فهي لصيقة بالإبداع المعرفي والتقنيّ، ومنزلتنا منهما هذه الأيام لا تحتاج إلى تعليق. إضافة إلى أن القدرة على تصدير المصطلحات لدى مجتمع، هي رهينة الوزن الحضاري لذلك المجتمع. ولذلك فلما أمْلَت علينا ظروفنا الحضارية الراهنة أن تستورد معرفة الآخر وتقنياته، فنفس الحاجة تملي علينا أن نستورد مصطلحاته، ولما كنا في حاجة إلى أن نهضم المستورد التقني والمعرفي في إطار خصوصياتنا الاقتصادية والثقافية وأن نبيئه، فكذلك الحاجة ملحّة إلى نفس خطوات الهضم والتبيئة مع "المصطلح" وذلك على المستويين معا : "اللفظي" و "المضموني". وفي لغتنا منذ المد الحضاري العربي الإسلامي الأول استعداد لمثل هذا الفعل الحضاري تكفله عمليتان لغويتان: التعريب من ناحية، والتوليد من ناحية ثانية.
وعملية التبيئة هذه ضرورية من نواحي عدة :
- الأولى أنها تكفل ارتفاع الخطاب العربي الإسلامي إلى مستوى العصر.
- الثانية أنها توسع من طاقة استيعاب الثقافة العربية للمستجد الفكري والمعرفي.
- الثالثة أنها تمهد للتواصل والتفاعل الحضاريين وتبني جسورا للتبادل بين الثقافات، وتؤسس لشراكة معرفية.
- الرابعة أنها تساهم في تجاوز ذلك "العيّ" التعبيري الذي نشهده في خطاب بعض المجتمعات العربية المعاصرة والذي أرى أن من تفسيراته في بعض الأحوال[28]، تضخم المعاني المستجدة، وعجز الأواني اللفظية عن استيعابها.
مخاتلات المصطلح
تعكس سمات الخطاب الهزال الفكري الذي تعيشه شخصية ما، ومن هذه السمات الحسم السهل في المواقف والأشخاص، والأحكام التعميمية، ولعل أهم أدواتها "المصطلحات"، يتخير منها بعضهم البراق أحيانا يختطف به ذهن الانفعاليين معوّلا على فلسفة "الإبهار" لما أعيته فلسفة "الإقناع". وقد يتصرّف أحيانا أخرى إلى "المحتمل" ناشدا التسلل إلى القناعات وسط الضباب الذي يثيره "الاحتمال" الاصطلاحي. ومثل هذه المخاتلات لا تخدم المعرفة في شيء، وإنما تخدم فقد مدّعيها وتوفر له مشروعية مزيفة. ويحضرني في هذا الإطار مثل استقيته من معايشتي لبعض الكتابات الفكرية المعاصرة وأنا أنظر في الدراسات الناقدة لمنهج الشاطبي الأصولي في موافقاته، فتبيّنت أن جهد الرجل في الحقيقة ليس سوى عمليات استثمار وتنظيم لذلك الذي توزع في كتب القواعد والفروق وأحكام القرآن والسنة، عمليات أرادت أن تواكب ذلك الذي لم تقدر الكتب الأصولية "ذات الصبغة المدرسية" والمقطوعة غالبا عن الواقع الاجتهادي أن تفعله، وذلك لغلبة سلطان "التقليد" و "العادة" والخوف من "المخالفة". فقد تميّز الشاطبي، لا من حيث المادة التي جاء بها، لأنه استقاها عند غيره ولكن من حيث كيفية تنظيمها وترتيبها. فقد نجح من خلال تقديم ما "أخره" غيره، والعناية التنظيرية الكبيرة بما لم يعتن السابقون بالتنظير له، إلى اجتراح الجديد. وهي سبيل لا يسلكها إلا الذين وُهبوا القدرة على ملاحظة ما تعتبره عادة من الهوامش والعرضيات، ليقدروا مع الأيام أن ينسجوا من ذلك المتغافل عنه بناء فكريا أعمق وأمتن مما كان يعتبر الأصل والقاعدة، وترسخت تقاليد العناية به والتقديم له. وقد اعترف "الجابري" للشاطبي بالتميز، واستكثره عليه تلميذه "اليافوت" الذي لم ير لتنويه الشاطبي بالمقاصد أي تطور في المنهجية التشريعية الإسلامية[29]، وأي قطيعة ابستمولوجية مع المناهج التشريعية القياسية. والمقام لا يسمح الآن بمناقشة مطولة للكتاب الذي أوليته بعض العناية في موطن آخر وحاولت أن أضعه على محكات اختبار ثلاثة : "حفري" لأنه المنهج الذي في أحضانه طرح دراسته، و"برهاني أرسطي" لأنه المولَع إلى حد الوله بالمنطق الأرسطي، و"أصول فقهي" لأن مادة الكتاب أصولية فقهية بالأساس. ولكن ما أقدر على ملاحظته الآن هو أن الشاطبي قد لا يمثل قطيعة ابستمولوجية مع المناهج التشريعية القياسية بالمفهوم الذي يتصوره الجابري، ولكنه كذلك لا يمثل استمرارية لها بالتصور الذي يريد أن يقره "اليافوت". وإنما هو استمرارية بل وتتويج لمحاولات سعت من قبله إلى بناء منهج تشريعي متكامل تتعدد مراكزه، وتتوازى فيه العناية باللفظ مع العناية بالمعنى، ويُعتمد فيها القياس مع اعتماد المصالح والمقاصد، دون أن يغمط الرجل حقه في أنه جمع شتات الممارسات التشريعية المصلحية الأولى، وأضاف إليها سوابق تنظيرية منثورة هنا وهناك، لينسج منها تصوّرا تشريعيا متكاملا ومتوازن الأبعاد والعناصر إلى حد كبير.
وإنما الذي حمل "الياقوت" على عدم تثمين نقاط التميز الذي غلبت عليه إرادة توحيد الخطابات الفقهية، وإرجاعها إلى معنى واحد ينتظمها، فجاءت دراسته "الحفرية" حول التعليل الفقهي مناقضة لطبيعة "حفريات المعرفة"، وذلك أن دراسة الرجل كانت مجرد أنظار "مستكرهة" في تاريخ الأفكار، فقد كان اهتمامه منصبا بالأساس على العثور في مستوى خفي على مبدأ ينظم خطاب الفقهاء ويعيد إليه وحدته الخفية حتى تتلاشى نتوءاته البادية للعيان. وهي هموم لا يلقي إليها "الحفري" "الحقيقي" بالا، لأنه لا يهدف إلى تسوية كل التعارضات وتوطئتها، بل يريد أن يحافظ على الخطاب في تضاريسه العديدة، فالحفريات كما يقول "فوكو" بترجمة "اليافوت" دون أن يفهمه: "تحليل مقارن لا يسعى إلى تقليص عدد الخطابات ورسم الوحدة التي عليها أن ترد إليها، بل هدفه توزيع تعددها في أشكال مختلفة. فالمقارنة الحفرية ليس لها مرمى موحّد، بل مُكثّر ومعدّد "[30]، ويكفي لإدراك "الخيانة" المنهجية التي وقع فيها الرجل أن تضع دراسته على محك كلام "الحفري" الأول، لتراه مجدّفا على عكس تيار الحفريين، منخرطا من حيث لا يعي في سلك الباحثين في تاريخ الأفكار، محاولا أن يحيط من خيوط المواقف التشريعية نسيجا واهيا غير محكم، يعوزه العمق وتحكمه السطحية [31]. بينما يقوم عمل الحفري على التشويش على تلك الخيوط عبر تعديد الفوارق. علما بأني لست الآن بصدد مناقشة أي من المنهجين، ولا المقارنة بينهما، وإنما أردت أن أشير إلى أن "يافوت" لم يف بمنهجه الذي ألزم به نفسه فم يلتزمه، وبشر به في عنوان كتابه، ثم لم تعثر على شيء منه في صلب كتابه، كأنما هي دعاية "شعاراتية" مجانية، تستهوي كثيرين من الذي لا يقدرون على الإقناع بآرائهم فيركبون متن الشعارات البراقة، وتخطف أبصار كثيرين من الذين تملكهم هوس الجديد ولو كان "خواء"، وأين ذي "السياسات" الفكرية المخادعة، من كلمات "المبرد": "ليس لقدم العهد يقدم القائل، ولا لحدثانه يهتضم المصيب، وإنما يعطى كل ما يستحق".
وأختم بأن مقصدي من وراء طرح هذه الإشكالة أن نجنب دروسنا ذلك السيل المفاهيمي المجاني الذي يلتجأ إليه بقصد التزويق أكثر منه بقصد الإفهام، وليس في هذه الدعوة ما يناقض الإلحاح على إثراء أجهزة التلاميذ المفاهيمية، بل هي محاولة لترشيدها حتى لا تضحي عملية الإثراء مفتعلة ومزيفة بما يجهض الفهم. وتمس عمليات الترشيد هذه مستويين أساسيين:
- مستوى الكيف وذلك بتوخي الدقة والصرامة في تخير المصطلحات حتى لا يلقي الكلام على عواهنه بما يخلي درسنا عن كل علمية.
- مستوى الكمّ وذلك بالاعتدال وتجنب المبالغات.
سلطة المصطلح
للمصطلح سلطة، ولا أراني محتاجا إلى الاستدلال على ذلك، فهل يشك أحد في ما تفعله كلمات أمثال: "حرام" أو "كبيرة" أو "كفر" في السياق الديني. أو كلمة "خيانة" في السياق السياسي. وهذه المصطلحات إنما تستعد سلطتها من كونها مصطلحات سلطة: دينية كانت، أو سياسية، أو اجتماعية. فإذا أضفنا إليها كونها تصدر من الأستاذ الذي يمثل سلطة معرفية في قسمه، ويتلقاها تلاميذ تحكمهم سلطة مراهقتهم، رأينا كيف تتضافر أنواع ثلاثة من السلطة لترسيخ المصطلح في ذهن التلميذ، وجعله من مقومات شخصيته المعرفية والسلوكية:
- سلطة سياق الحديث (ديني…)
- سلطة الباث (الأستاذ…)
- سلطة المرحلة العمرية للتلميذ (المراهقة…)
ومن هنا كان لابد من مراجعة الأستاذ لجهازه المفاهيمي، وتنقيته من شوائب المبالغات، والأحكام الملقاة جزافا، والتصورات المقصية. ووضع استراتيجية لتنمية المصطلحات المرسخة لمعاني الاعتدال والتوسط، غير غافل عن مسؤوليته الحضارية التي لا تنهض بها المواقف المتطرفة، ولا تسمح لها المبالغات والإقصاءات بأن تنتعش. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل: "إن هذا الدين متين، فأوغلوا فيه برفق، فإن المنبت لا أرضا قطع، ولا ظهرا أبقى"
مراجعة "الخطاب"
1- من خطاب الجزم والحسم إلى خطاب الإمكان والاحتمال:
ذلك أدب راسخ في الحضارة الإسلامية في عهود ازدهارها، عبر عنه العلماء قديما وهم يبدأون فتاواهم بقولهم : "الرأي عندي"، دون الجزم بأنه من الله، ثم وهم يستعيضون عن مصطلح "أحرمه" بمصطلح "أكرهه". فهذه السلوكات المعرفية ضرورية لتحقيق "التعايش الفكري" و"التفاعل" و"التكامل"، وأما الجزم والحسم في قضايا الفكر فإنهما لا يورثان إلا القطيعة والخصومة والإقصاء.
2- من خطاب الإقصاء والقطيعة على خطاب الحوار والتفاعل:
وهي مسألة تابعة لسابقاتها، تستمد منها وتغنيها، ولست مبالغا إذا قلت بأن أرباب الخطاب الأول يمشون في الغالب في طريق يناقض مراد الإسلام، ذلك المراد الجليل الذي عبر عنه الحوار الإلهي الملائكي حول خلق آدم. ونسجه القرآن نسجا مبهرا وهو يورد لفظي "طغى" و "قولا لينا" مورد السبب والنتيجة، في سياق دعوة موسى لفرعون.
3- من خطاب اليأس والقتامة إلى خطاب الأمل والرجاء:
تلك القاعدة الهامة التي أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يثبت دعائمها وهو يقول: "فسددوا وقاربوا وأبشروا"[32]. سلك فيها عمليا خطوات طريفة وعميقة يتبيّنها المرء وهو يشاهد مثلا كيف انقلب سنن التسمية وتغيرت تقاليده بين الجاهلية والإسلام، وإلا فما تفسيرك لانقراض أسماء كان لها رواج في الجاهلية وما عدت تسمع لها ذكرا في الحضارة الإسلامية إلا في دروس الأدب والتاريخ أمثال "مُـرّة" و "حنظلة" و"صخر"…
ولذلك فإن العدل يملي عليّ القول بأننا نحتاج إلى تنقية خطابنا من ذلك الكمّ الهائل من مصطلحات "التيئيس" وصيغ "التبئيس"، وما حاذاها من مصطلحات ذات مضامين عنيفة تساق في غير مساقها الطبيعي، فتعطي صورة غير صادقة عن جوهر الحضارة العربية الإسلامية، ومقومات الشخصية فيه. ومن أمثلة هذه الصيغ والمصطلحات :
- "الزمن الرديء"
- "هذه هي النهاية": علما بأن هذه الكلمات نسمعها منذ القرن الأول للهجرة وخاصة بعد الفتنة الكبرى، والناس من حولنا يعملون ونحن ننتظر النهاية، غافلين عن كون اقترابها أو ابتعادها لن يغير من مواقفنا شيئا، ولن يحد من جهدنا ما دام المؤسس الأول لحضارتنا يوصينا بأن لا يمنعنا قيامها ذاته من زراعة "فسيلة" (نخلة صغيرة) وقعت بأيدينا، فأي دلالة حضارية أعمق في ترسيخ روح العمل والأمل من هذه : فنبينا يدعونا إلى العمل والحال أن يقيننا بقيام الساعة حاصل ومشاهدتنا لها واقع، فكيف إذا كان قرب قيامها مجرد هواجس عاجز وتخمينات مقصّر ويائس.
المصطلح تعليما وتعلما
المصطلح في علم نفس التعلم هو صورة عقلية لشيء ما، وهو يُعبّر عن الخصائص العامة لمجموعة من الخبرات، ويمثل طريقة لتنظيم أو إدراك المعلومات التي نحصل عليها في العالم الذي حولنا. وقد تيسّر للإنسان تعلّم المصطلحات لما يمتلكه من قدرة على التعميم انطلاقا من المواقف الخاصة، ومن هنا كانت المصطلحات سبيلَنا للارتفاع فوق الخصوصيات والمتغيرات الدّقيقة الموجودة في البيئة والتعامل مع الأحداث ذات الصفات المشتركة. فالمصطلحات من وجهة نظر هذا العلم إحدى الطرق الرئيسية التي نستجيب بها لبيئتنا ونتفاعل معها. وهي تُنَظّم تفكيرنا حول العالم وتزيد من قدرتنا على فهمه وتُسهّل علينا العيش فيه.
و"المصطلح" بهذا المعنى أعم من المعنى المشتهر للفظ، بل إني أرى بأن التوفيق لم يحالف الذين جعلوه ترجمة لكلمة "concept" الإنجليزية، وكان على هؤلاء التربويين العرب أن يستعملوا لفظ "مفهوم" عوضا عنها، أو لفظ "تصور" على اختلاف في الترجمة لدى المعاجم العربية الإنجليزية، والعربية الفرنسية، بل حتى في المعاجم الفرنسية ذاتها، حيث لم يكن هناك اتّفاق واضح على تعريف لفظ "concept"، وتحديد الفرق بينه وبين لفظ "notion".
ورغم تسليمي بما تعارف عليه علماؤنا قديما بأنه لا مشاحة في الاصطلاح، فإني في هذا المقام سأشاحح، لأني إنما أناقش "ترجمة" لا اصطلاحا، ثم لأني رأيت لهذا المعنى الذي تريد بعض كتب علوم التربية أن تكفله بلفظ "مصطلح"، رأيت له لفظا هو أنهض به وأوفى بدلالاته، لأن بين "المصطلح" بالمفهوم المتعارف عليه والمصطلح عند التربويين فرقا جوهريا حقيقته أنه في علم نفس التعلم تصور مطلق لا قيود عليه، حيث عرفوه بأنه صورة عقلية لشيء ما، بينما هو في العرف العام تعارف "معينين" في إطار "معين"، والمعروف أنه كلما تقلّصت القيود في التعريف إلا واتّسعت دائرة مصداقه ومعانيه التي يشملها. ولذلك قلت بأن لفظ "المفهوم" أولى من المصطلح بهذا المعنى، ويكفي أن نعرض سريعا لبعض تعريفات المفهوم لتتجلى بوضوح مظاهر هذه الأولوية، فقد جاء في بعض المعاجم أن المفهوم هو:
- معنى مجرد
- مدرك كلي
- تصور
- فكرة لمادة عينية أو لشخصية اجتماعية
- وهو إدراك عقلي، أي معرفة ناجمة عن إعمال الفكر والعقل.
وفي ختام هذه المحاولة التحليلية أشير إلى أني لا أقصد بالاختلاف بين اللفظين التعارض التام، بل إني أعني بأن "مصداق" أحدهما أوسع من مصداق الآخر، فكان المفهوم أعم من المصطلح، وهو الذي يعبر عنه في المنطق بأن بينهما نسبة العموم والخصوص مطلقا، لأن أحدهما يشارك الآخر في جميع أفراده دون العكس.
[1]الإحكام: 170 – 174
[2]المنهاج: 10 – 14
[3]ومضات فكر: 2/67
[4] شدا يشدو من العلم شيئا: أخذ
[5] الأغتم: من لا يفصح في كلامه
[6] الخوارزمي: مفاتيح العلوم: 11
[7] وهي المنازل الأربعة الرئيسية بين الاثنتي عشرة منزلة من منطقة البروج.
[8]. شرح الحطاب على الورقات بهامش حاشية الهدة : 111
[9]. م.ن
[10]القاسمي: قواعد التحديث: 118 نقلا عن منهاج السنة لابن تيمية
[11]القبس: 1/341
[12]كشف النقاب: 61،37
[13]م.ن: 61
[14]م.ن: 657
[15]الاعتصام: 2/371
[16]م.ن
[17]شرح الحدود: 403
[18]الانتصاف: هامش الكشاف: 1/655
[19]خصائص اللغة: 2
[20]نظرة جديدة إلى التراث: 80
[21]شرح حدود ابن عرفة: 89
[22]م.ن: 247
[23]م.ن: 517
[24]الشاطبي: الإفادات والإنشادات: 163 - 164
[25]مجموع الفتاوي: 9/44-66
[26] غياث الأمم: 222
[27] ولّد المغاربيون مصطلح التحيين من الحين، ويقصدون به ما يطلق عليه عند الإخوة المشارقة "التحديث"
[28] غير غافل عن الأسباب الأخرى التي تتدخّل في تطوير قدرة بعض المجتمعات أو الأشخاص على التعبير عن آرائهم بسلاسة أو الإعراب عن أنفسهم بسهولة وانطلاق. ومن هذه الأسباب ما هو نفسي ومنها ما هو اجتماعي ومنها ما هو تربوي… وأقتصر في هذا المقام على بعض الأمثلة على هذه الأسباب:
- منها درجة الدّافعية إلى التحدّث باللغة الأم،
- ومنها درجة التخلص من الاستيلاب المزدوج الذي تمارسه أكثر من لغة على الشخص ذاته،
- ومنها البضاعة الاصطلاحية والمفاهيمية المتوفرة لديه،
- ومنها الإحساس بالأمن والحرية في التعبير عن رأيه دون تلكأ أو مواربة،
- ومنها الدّربة على التعبير، والانخراط أو الانغماس المستمر في لجّة الخطاب والتواصل، والحرص المستمر على تطوير النطق…
[29]انظر اليافوت: حفريات المعرفة العربية الإسلامية: 161 - 167
[30]فوكو : حفريات المعرفة: 147
[31]من المفارقات الغريبة أن "يافوت" ينقد في كتابه نفسه الذين انتهجوا "تاريخ الأفكار" (انظر ص 202)
[32]بعض حديث أخرجه البخاري: كتاب الإيمان: باب الدين يسر











