لما اقتُرح عليّ السنة الماضيةَ[1] أن أتحدث في مسألة التنمية المهنية المستدامة للمعلّم العربيّ، رجعتْ بي الذاكرةُ سريعا إلى أواخر الثمانينات وبدايات التسعينات، حيث التقت حداثة عهدي بالتعليم، مع حداثة عهدنا جميعا بمفهوم التنمية المستدامة، وكيف كنّا في غضاضة الشباب نتفهّم المفهوم تارة، ونتوجّس منه خيفة أخرى. ولكن سرعان ما هدأت خواطرنا ونحن ننخرط في أول عمل جدّي يستلهم هذا المفهوم ويحاول أن يجسّده في مسارات الواقع، وكان ذلك في مشروع تربوي بيئي، يوازن بين مقتضيات التنمية، وحقّ الأجيال القادمة في بيئة سليمة وغير مستنزفة.
وقد طُلب منّا يومها أن نتصور دليلا للمعلّم يساعده على إيصال هذا المفهوم القائم على التوازن إلى طلبته في عمق، ويعطيهم الفرصة ليتمثلوه ممارسة عملية. واجتمعنا أياما وليالي، وقلّبنا التصورات، وقرعنا الفكرة بالفكرة، ووُلد الكتاب. وإن نسيت فلن أنسى سعادتنا يوم بدأنا تجريب الدّليل في بعض المدارس في إطار حصص لا صفية:
حيث كنّا نحضر فيها مناقشات حامية بين الطلاب يتقمص بعضهم دور مديري مصانع يسكنهم هاجس التنمية إلى حدّ بعيد،
وآخرون يتقمصون دور الجمعيات البيئية المنافحة عن حقّ البيئة، ويذودون بما أوتوا من قوّة عن حقّ الأجيال القادمة.
بينما يقف للحسم بينهم رئيس المجلس البلدي يحاول في أناة أن يوازن بين مقتضيات التنمية وحق البيئة، ويدعو الجميع إلى أن يبحثوا عن الحل الأعدل الذي لا يظلم لا هذا ولا أولائك.
وتُولَد من حيث لا ننتظر أفكار طريفة تطْرب لها قلوبُنا وعقولُنا. ولكن الذي كان يسعدنا أكثر هو أنّ هذا السلوك التّربوي لا بدّ أن يثمر مع الأيام نوعا من التوازن في شخصية المتعلّم، ولا بدّ أن يُنجب قدرة على تقليب الأمور على كلّ وجوهها، وتمحيص الأفكار والتصورات داخل الذات وخارجها في حوار مضيف، يوصل في الأخير إلى القرار الأقرب إلى الصواب.
لا أدري لماذا أتعبك معي بالحديث عمّا مضى، ربّما لأنّي أحسست بأنّ بين الذي سأعالجه اليوم دراسةً وتحليلاً، وبين الذي عالجته بالأمس تأليفًا وتدريبا، وشائجَ قربى، وأنّهما تجلّيات للحقيقة ذاتها، لأنّهما يبحثان عن شروط التنمية المستدامة داخل الإنسان. وكلّ عملية تنموية لا تنطلق من الإنسان مآلها الفشل لا محالة.
أعرف بأنّ هذا الوعي ليس بالجديد، ولذلك راهنت المجتمعات البشرية عموما، والمجتمعات العربية والإسلامية خصوصا على التربية والتعليم بغاية صناعة الإنسان الذي سينهض بهموم التنمية في مجتمعه. ولكن رغم هذه المراهنات فإنّ الثمرة كما ترى عيانا، وكما سترى أرقاما، مخيِّبة للآمال إلى حدّ كبير. ومن هنا جاء التفكير في ضرورة مراجعة العامل التربوي، لا لنُشَكّك في أهميته معاذ الله، ولا يفكّر في ذلك عاقل. ولكن لنعيد طرح أسئلته، فليس المطلوب منا فقط أن نعلّم الإنسان، ولكن علينا قبل ذلك أن نعرف كيف سنعلّمه. وبين التربية التي تنمي ذاتَ المربَّى، وتلك التي تُغيّب ذاته مسافةٌ لا يُنْكرها إلا مُعانِد.











