الجودة مفهوم أصيل:
الجودة مفهوم عربي أصيل، عبّر عنه أسلافنا فقالوا: "جَادَ عَمَلُه يَجُودُ (جَوْدَةً) وفَرَس (جَوَادٌ) بيّن الْجُودَةِ (والْجَوْدَة)"[1]. ولولا أن المجال غير مناسب، لأفَضْت في ذكر النصوص والمواقف التي استعمل فيها مفهوم الجودة قديما، وأكتفي في مثل هذا المقام بأن أؤكّد على أنّ الجودةَ مفهوم شامل عند العرب، حيث تحدثوا عن جودة القريحة وعن جودة الثمرة: فتعرضوا بذلك إلى الجودة المعنوية والجودة المادية في آن، كما تعرضوا إلى جودة الأداء وجودة المخرجات، دون أن يستعملوا عدّتنا الاصطلاحية الحديثة طبعا، ودون أن يبلغ الأمر أن يكون مقولة علمية متكاملة، ولا أن يثير دراسات نظرية متخصصة. إذ للتطور العلمي منطقه، والمعارف البشرية خبرات وتجارب متراكمة.
ما يعنينا في هذا المقام هو أن الجودة كثقافة ليست بالغريبة عن جذور حضارتنا وقيمها مهما كان متعلّق هذه القيم: عباديا أو اقتصاديا أو اجتماعيا أو تربويا. ويضمن هذه الخصوصية نصوص مرجعية فاعلة في العقلية العربية الإسلامية مقل قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه"[2]، وقوله: "إن الله كتب الإحسان على كلّ شيء"[3]. وما الإتقان والإحسان إلا تجليات أخرى لمفهوم الجودة، إنهما الأواني اللفظية التي اختارها الإسلام ليعبر عن ضرورة تجويد الأداء، رغم أن لفظ الجودة كما قلنا حاضر بقوة في لغة العرب وآدابهم للدلالة على نفس المعنى الذي تعنيه كلمة الإتقان.
الجودة في التربية:
لا يعنيني الآن التأريخ لظهور هذا المفهوم في المجال التربوي، ولا التنظير لمدى تعلقه به، لأني أراه من التكلف الذي لا يغني المجال التربوي ولا المربي في شيء. هو من التكلف لسببين أساسيين:
- أنّه لا أحد يجادل في ضرورة إتقان العمل التربوي وتجويده لتكون الثمرة مناسبة لتحديات العصر، وقد مارس ذلك أسلافنا على مدى تاريخهم الطويل: أشار إليه كمبدأ عمر بن الخطاب –حسب بعض الروايات- لما دعا الناس إلى أن يراعوا في تربية أبنائهم أنهم خلقوا لزمان غير زمانهم. ومارسه ابن سحنون والقابسي وابن جماعة وابن العربي وابن خلدون وغيرهم تنظيرا تربويا راشدا وناضجا، راجعوا فيه الممارسات، وأخضعوها للنقد، ودعوا إلى تطويرها بحسب مقتضيات العلم والحكمة والتجربة.
- أن انبثاقها الحديث في عالم الاقتصاد لا يعني بأنها حبيسة هذا العالم أو رهينته، وأنها لن تأخذ من خصوصيات التربية. لم يقل ذلك أحد، وإن قاله لن يقبله أحد، لأن عملية التكييف للمفاهيم بحسب السياق أبسط القواعد في التعامل مع الأمور. وإذا كانت الجودة قائمة في الاقتصاد على وضع الخطط وتحديد المعايير وتجويد المخرجات إلى غير ذلك من المفاهيم المركزية للجودة، فإن المجالات كلها في الحياة قائمة على هذه الأسس، أكاد أقول حتّى التعبّدي منها، وهو معنى من معاني الإحسان في الإسلام. وإنما الذي يفرّق بينها هو تجليات هذه الأسس في كلّ مجال بما يناسبه.
من هذا المنطلق، سنأخذ بعض العبارات التي تعوّد المنظرون للجودة أن يتحدثوا عنها كتجليات لمفهوم الجودة، ونحاول أن نناقشها بعض المناقشة التربوية حتى تأخذ من خصوصياته، وتتوضح المفاهيم بما لا يدع مجالا لنفوسنا أن تتوجس منها خيفة مادامت مفاهيم عامة مرنة قابلة للتشكيل المختلف باختلاف المجال الذي تتنزل فيه.
تعني الجودة عند المنظرين لها:
· المنتَج المتميز
· المنتَج المُرْضي للعميل
· المنتج المناسب للجهد المبذول
· المنتج المطابق للاحتياجات
· العمليات الصحيحة
وأغلب هذه المفاهيم تشكلت في رحم الاقتصاد، ولذلك قد تصدمك في البدايات بدلالاتها (المنتج – العميل – العمليات…)، ولكنك إذا أعدتها إلى عالم التربية وربطتها بخصوصياته، فإنك ستجدها مستساغة، ولها تجلياتها المناسبة له:
فالمنتَج هو الطالب، لا من حيث أن التربية تُشكِّله خلْقا ماديّا، ولكن من حيث أنها تُعيد تشكيله في كل مرة عقلا وسلوكا. وهذا المعنى ليس بالغريب عن ثقافتنا، حتى قال بعضهم بأن فضل معلمه عليه، أكبر من فضل أبيه، لأن أباه كان سببا في وجوده المادي، أما معلمه فهو السبب في وجوده الفكري والمعنوي. ومن هنا فإن ما تُخرجه مدارسنا هو طلابنا، وهم منتجاتنا الأساسية التي تنفق عليها المجتمعات في عصرنا الراهن أكثر مما تنفقه على أيّ شيء آخر. وعلى قدر ما تُجوّد ملامح هذه المنتجات أو المخرجات، على قدر ما يكون ذلك شهادة على نجاح المؤسسة التربوية والمجتمع. وتجويد الملامح يتطور بتطور الزمن، ويأخذ أشكالا مختلفة، يظنها بعضهم مجرد معارف تُحشى بها العقول حشوا، بينما يراها آخرون عقولا مُحكمة البناء معرفيا، ومهارات نامية ومتحفزة، وسلوكات إيجابية. خلاصة القول أن معايير التميز في المنتوج في عالم الاقتصاد غيرها في عالم التربية، وهذا كاف ليجعلنا نطمئن إلى أننا لا نتحدث عن عمليات إسقاط للمفاهيم من عالم إلى عالم كما يتصورها بعضهم، بقدر ما نتحدث عن استعارة واعية لمفاهيم أظهرت فاعليتها في مجال، محاولين تبيئتها في مجال آخر مع مراعاة الفروق والخصائص المميزة حتى نضمن لها الإنتاج. وإلا كانت قاتلة أو مشوهة، ولم تنتج إلا الخيبة وسوء العاقبة.
وأما "العميل" أو المستفيد، فقد رأيت أكثر من مرة أنه أثار نقاشات كثيرة، تعلقت في أغلبها بتحديد كنه هذا العميل، وأنه لا يمكن أن يكون الوليَّ، وإلا أصبح التعليم ملهاة للأولياء، يطلب كل منهم ما يشاء، وتنفلت الأمور عند ذلك ولا يمكن ضبطها. وأقولها صريحة: أنّني لا أخشى إلى هذا الحدّ أن يكون الولي هو العميل، وإن كنت أميل وأنتصر إلى أن يكون العميل هو المجتمع ممثلا في القوانين المنظمة للحياة التربوية. وهذا الرأي المركب الذي عبرت عنه، ظاهره التناقض وباطنه حسب تقديري التناغم والتماسك، ويحكمه منطق واحد خلاصته التالي:
أن الولي مهما كان حرّا في تحديد اشتراطاته الشخصية كعميل فإنه محكوم بإرادة المجتمع وخياراته، لأنه يعرف أن ابنه سيتخرج ليلتحق بجامعات المجتمع وسوق شغله بعد ذلك. وهو متيقن بأنه إن لم يسلم بمقتضيات المنظومة التربوية العامة وبمقتضيات سوق التشغيل، فإن ابنه سيصبح عالة على المجتمع، وعلى هامش سوق التشغيل، ولذلك قلت بأني لا أتخوف كثيرا من جعل الولي عميلا، لأنه في الأخير لن يخرج عن إرادة المجتمع العامة. وأنا في هذا القول أنتهي في الأخير إلى أن المجتمع هو الذي سيكون المرجع في الأخير ضمنيا وبطريقة غير مباشرة، حتى ولو حكّمنا الولي، وللسبب نفسه قلت بأني أميل إلى جعل المجتمع هو العميل الحقيقي والصريح، حسما لمادة الخلاف من ناحية، وحسما كذلك لأسباب الانحراف الذي قد يقع فيه بعض الأولياء بمزاجيتهم واتخاذهم للمواقف الانفعالية، فيكون الحاكم في الأخير هو الخيارات الاجتماعية الكبرى التي تُرجمت في قوانين منظمة للحياة التربوية، ومعايير محتكم إليها في تحديد النجاح من عدمه، والجيد من الرديء.
أما "العمليات"، فهي ليست محلّ إشكال، ولكل مجال عملياته، وقد جرت العادة أن نستعمل كلمة العملية التربوية في معجمنا التربوي المعاصر. ويتبوّأ هذا الجانب أهمية خاصة في منطق الجودة، وتأتي أهمية هذا الجانب من كون الجودة في التعليم إنما مأتاها الجودة في عمليات التعليم أساسا، وأن جودة النتائج النهائية بالنسبة إلى الطلاب ليس مؤشرا على نجاح المؤسسة، فقد ترجع تلك النتائج إلى نوعية الطلاب كمدخلات استثنائية لا تقدر إلا على النجاح والتميز، ولن يكون للمدرسة كبير تدخل في عمليات النجاح تلك، هذا إذا لم يكن لها تدخل في إعاقة بعض ذلك النجاح. ونشهد هذا المعنى بوضوح في المؤسسات التي تدرس المتميزين من الطلاب، مثل "المعاهد النموذجية" في المنظومة التربوية التونسية. فهي تحصل دائما نتائج متميزة، وليس ذلك لأن عملياتها التعليمية جيدة، ولكن لأن الطلاب جيدون، وهم سيحصّلون أفضل النتائج حتى ولو درسوا في بيوتهم، لأنهم تحركهم دافعيتهم الذاتية، ولأنهم يملكون قدرة ذاتية على التعلم والتميز في التعلم. ومثل هذا الحكم لا يمكن أخذه على عمومه، وإنما ضربته مثلا على أن تميز النتائج ليس دائما علامة على تميز العمليات، دون أن يمنع ذلك طبعا من أن تتوفّر في المؤسسة عمليات ذات جودة تساعد على توفير أجواء التميز للطلاب الجيدين. المهم هو أن نسبة النجاح في آخر العام ينبغي أن لا تجعلنا نُغفل البحث في العمليات والحكم عليها في ذاتها، بمعايير موضوعية لصيقة بطبيعة تلك العمليات.
وإذا كانت الجودة في المنظومات الاقتصادية تتحدث عن عمليات صحيحة، وتعتبر تلك الصحة شرطا أساسيا في الجودة، فإن الجودة في المجال التربوي تتجاوز مجرد الصحة، وتستدعي مفاهيم أخرى أهمها الإبداع. وأعني هنا الإبداع في العمليات التعليمية بالأساس، لأنها التي تُتيح فسحة كبيرة للإبداع لا تتيحه أية عمليات أخرى عدا تلك العمليات ذات الطبيعة الفنية الصرفة، والتي تكاد تخرج عن العمل المؤسسي. إن العملية التعليمية ليست مجرد تطبيقات حرفية لتعليمات وإجراءات باردة، بل هي عملية حية ومبدعة يمارسها المعلم في كل لحظة مع منتجات حية تتأثر بكل ما يحيط بها، ما أراده المعلم وما لم يرده، وبما لم يصرح به نشاطا واضحا أو لفظا بيّنا، أكثر مما صرح به. ولذلك كانت فرصة الإبداع أمامه كبيرة لأنه مطالب في كل مرة بأن يرتجل الحلّ المناسب للوضعية الطارئة، وأن يتعامل التعامل الحكيم مع السؤال غير المنتظر، وأن يستثمر الاستثمار الأمثل للإشارة الحكيمة التي قد يبديها الطالب. ومن هنا قلنا بأن الجودة في العملية التعليمية تتجاوز مجرد الصحة لتعانق معنى الإبداع والقدرة على المبادرة والابتكار.











